ولا يظن بأن هذا الترتيب قاعدة كلية فيسعى لتطبيقها دوما في حكاية المذهب، بل هي قاعدة أغلبية ومع هذا فلا يصح اعتمادها بهذه الصورة، بل لا بد من الرجوع إلى كلام معتمدي المتأخرين، قال في التحفة:"وهذا -أي الترتيب السابق- تقريب وإلا فالواجب في الحقيقة عند تعارض هذه الكتب مراجعة كلام معتمدي المتأخرين واتباع ما رجحوه منها" [1] .
وفي حاشية الإيضاح لحج"الحق أنه لا بد من نوع تفتيش فإن كتب المصنف نفسه كثيرة الاختلاف فيما بينها، فلا يجوز لأحد أن يعتمد ما يراه في بعضها حتى ينظر في بقية كتبه أو أكثرها أو يعلم أن ذلك المحل قد أقره عليه شارحه أو المتكلم عليه الذي عادته حكاية الاختلاف بين كتبه وبيان المعتمد من غيره" [2] .
وزاد في حاشية الإيضاح:"... وما اتفق عليه الأكثر من كتبه مقدم على ما اتفق عليه الأقل منها غالبًا، وما كان في بابه مقدم على ما في غيره غالبًا أيضًا" [3] .
وإن مما ينبغي أن يعلم أن ما سبق إنما هو للعالم من مثل أصحاب الشروح والحواشي أما الآن فالمقدم ما في المنهاج إلا ما نص المتأخرون على ضعفه، فليس معنى ما سبق أن يقرأ الطالب كتاب التحقيق ثم المجموع وهكذا فهذا مما قد تجاوزته السنون؛ إذ قد استقر المذهب على تقديم المنهاج على سائر كتبه ويستثنى من هذا ضعاف المسائل ثم إذا لم توجد مسألة ما في المنهاج فينظر كلام المتأخرين من أصحاب الشروح والحواشي فإذا كان لهم كلام فهو المعتمد حسب ما سنبينه لاحقا لأنهم قد قاموا باستقراء هذه المسائل من كتب النووي وغيره.
اختيارات الإمام النووي:
سبق وأن قلنا بأن النووي يعتبر مجتهدا في الفتوى أي يصحح ما هو المذهب وهو في تصحيحه لا يذكر رأيه الخاص بل قد يرجح للمذهب خلاف ما يعتقد رجحانه، والسبب
(1) التحفة (1/ 39)
(2) الفوائد المدنية 34
(3) الفوائد المدنية (34)