المذهب، فيحكى أن أشهب وهو من أئمة المالكية في مصر كان يدو في سجوده: اللهم أمت الشافعي وإلا ذهب علم مالك، فبلغ ذلك الشافعي فأنشد متمثلا:
تمنّى رجالٌ أن أموت وإن أمُتْ ... ... فتلك سبيلٌ لستُ فيها بأوْحدِ
فقُلْ للذي يبغي خلافَ الذي مضى ... تزوَّدْ لأخرى غيرها فكأنْ قدِ
قال محمد بن عبد الحكم: فمات الشافعي فاشترى أشهب من تركته عبدًا ثم مات أشهب فاشتريت أنا ذلك العبد من تركة أشهب وكانت وفاة أشهب في شهر رجب سنة أربع ومائتين بعد الشافعي بثمانية عشر يومًا وقيل: بشهر واحد [1]
بل يحكى أن الإمام الشافعي دفع حياته ثمنا لانتشار مذهبه وقبول الناس له.
ج- التصنيف:
أتى عهد الشافعي وقد بدأت بوادر التصنيف والتأليف وخاصة في مجال الحديث، أما الفقه فقد كان التصنيف فيه قليلا، والمصنفات الفقهية السابقة على الشافعي كانت تعد بالأصابع، بله أصول الفقه الذي لم يصنف فيه أحد حتى جاء الشافعي وصنف الرسالة وغيرها.
فالإمام مالك صنف الموطأ وهو كتاب فقهي حديثي، وأبو يوسف ألف مجموعة من الكتب فقد الكثير منها، والإمام أحمد صنف مجموعة من الكتب حتى جاء الإمام الشافعي ووضع كتابه الحجة في مذهبه القديم، ولكنه أبدع في كتبه الجديدة وخاصة الأم والذي ألفه وهو بمصر، وقد اشتمل على معظم أبواب الفقه، ولهذا قيل إن كتاب الأم هو أول كتاب يصنف في الفقه، ولم يقتصر الأمر على هذا بل كان للإمام السبق في تأليف وتبويب كتب لم تعرف قبله مثل: كتاب المسابقة والمناضلة.
كما أن الإمام جاء والعلماء يتجادلون ويتناظرون ولم تكن هناك قواعد أو قوانين مدونة يتحاكمون إليها ويدرسونها لتلاميذهم كي يجعلوها قواعد وضوابط يقيسون بها استنباطاتهم واجتهاداتهم فصنف الإمام كتاب الرسالة في علم أصول الفقه، فكان أول واضع لهذا العلم ومرتب ومبوب ومخرج له إلى النور، فلم يسبق لأحد أن كتب في هذا
(1) تاريخ بغداد 1/ 1263