الصفحة 119 من 256

وكذلك أجمعوا أنه ليس على الغاصب، ولا على المكابر المغالب قطع [1] ، إلا أن يكون قاطع طريق مُشاهرًا للسلاح على المسلمين مخيفًا للسبيل، فحكمه حكم المحارب على ما سيأتي في حد المحارب.

وأما السارق الذي يجب عليه حد السرقة: فإنهم اتفقوا على أن من شرطه أن يكون مكلفًا [2] ، وسواء كان حُرًا أو عبدًا، ذكرًا أو أنثى، مسلمًا أو ذميًا إلا ما رُوي في الصدر الأول من الخلاف في قطع يد العبد الآبق إذا سرق «986 أ» .

ورُوي ذلك عن: ابن عباس وعثمان ومروان وعمر بن عبد العزيز، ولم يُختلف فيه بعد العصر المتقدم، فمن رأى أن الإجماع ينعقد بعد وجود الخلاف في العصر المتقدم كانت المسألة عنده قطعية.

ومن لم ير ذلك تمسك بعموم الأمر بالقطع، ولا حجة لمن لم يرد القطع على العبد الآبق إلا تشبيهه سقوط الحد عنه بسقوط شطره - أعني: الحدود التي تنشطر في حق العبيد - وهو تشبيه ضعيف.

وأما المسروق: فإن له شرائط مختلفًا فيها، فمن أشهرها: اشتراط النصاب، وذلك أن الجمهور على اشتراطه [3] إلا ما رُوعي عن الحسن البصري أنه قال: القطع في قليل المسروق وكثيره؛ لعموم قوله تعالى: {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا} ... الآية [المائدة: 38] .

وربما احتجوا بحديث أبي هريرة خرجه البخاري ومسلم عن النبي عليه السلام أنه قال: «لعن الله السارق يسرق البيضة فتقطع يده، ويسرق الحبل فتقطع يده» [4] ، وبه قالت الخوارج، وطائفة من المتكلمين.

والذين قالوا باشتراط النصاب في وجوب القطع - وهم الجمهور - اختلفوا في قدره اختلافًا كثيرًا، إلا أن الاختلاف المشهور من ذلك الذي يستند إلى أدلة ثابتة، وهو قولان:

أحدهما: قول فقهاء الحجاز: مالك والشافعي وغيرهم.

والثاني: قول فقهاء العراق.

أما فقهاء الحجاز [5] : فأوجبوا القطع في ثلاثة دراهم من الفضة وربع دينار من الذهب.

واختلفوا فيما تُقوَّم به سائر الأشياء المسروقة مما عدا الذهب والفضة:

فقال مالك في المشهور [6] : تُقوَّم بالدراهم لا بالربع دينار، أعني: إذا اختلفت الثلاثة دراهم مع الربع دينار لاختلاف الصرف، مثل أن يكون الربع دينار في وقت درهمين ونصفًا.

(1) ... فتح القدير 4/ 233، وحاشية ابن عابدين 4/ 100، والشرح الصغير 2/ 430، وحاشية الدسوقي 4/ 343، وتحفة المحتاج 9/ 144، ونهاية المحتاج 7/ 457، وشرح منتهى الإرادات 6/ 232، وكشاف القناع 14/ 129.

(2) ... فتح القدير 4/ 220، وحاشية ابن عابدين 4/ 89، والشرح الصغير 2/ 428، وحاشية الدسوقي 4/ 344، وتحفة المحتاج 9/ 150، ونهاية المحتاج 7/ 462، وشرح منتهى الإرادات 6/ 232، وكشاف القناع 14/ 130.

(3) ... فتح القدير 4/ 220، وحاشية ابن عابدين 4/ 90، والشرح الصغير 2/ 428، وحاشية الدسوقي 4/ 333، وتحفة المحتاج 9/ 124، ونهاية المحتاج 7/ 439، وشرح منتهى الإرادات 6/ 236، وكشاف القناع 14/ 134.

(4) ... البخاري (6783) ، ومسلم (1687) .

(5) ... الشرح الصغير 2/ 429، وحاشية الدسوقي 4/ 333.

(6) ... الشرح الصغير 2/ 429، وحاشية الدسوقي 4/ 333.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت