والأصل في هذا الكتاب قوله تعالى: {إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ} ... الآية [المائدة: 33] .
وذلك أن هذه الآية عند الجمهور هي في المحاربين، وقال بعض الناس: إنها نزلت في النفر الذين ارتدوا في زمان النبي عليه الصلاة والسلام، واستاقوا الإبل، فأمر بهم النبي صلى الله عليه وسلم فقُطعت أيديهم وأرجلهم وسُملت أعينهم [1] .
والصحيح: أنها في المحاربين؛ لقوله تعالى: {إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ} [المائدة: 34] ، وليس عدم القدرة عليهم مشترطة في توبة الكفار فبقي أنها في المحاربين «1001 ب» .
والنظر في أصول هذا الكتاب ينحصر في خمسة أبواب:
أحدها: النظر في الحِرابة.
والثاني: النظر في المحارب.
والثالث: فيما يجب على المحارب.
والرابع: في مُسقط الواجب عنه، وهي التوبة.
والخامس: بماذا تثبت هذه الجناية.
الباب الأول: فأما الحِرابة، فاتفقوا على أنها إشهار السلاح وقَطْع السبيلِ خارج المِصْر [2] .
واختلفوا في من حارب داخل المِصر:
فقال مالك [3] : داخل المصر وخارجه سواء.
واشترط الشافعي [4] : الشوكة وإن كان لم يشترط العدد، وإنما معنى الشوكة عنده قوة المغالبة؛ ولذلك يشترط فيها البعد عن العمران؛ لأن المغالبة إنما تتأتى بالبعد عن العمران، وكذلك يقول الشافعي [5] : إنه إذا ضعف السلطان، ووجدت المغالبة في المِصر كانت محاربة، وأما غير ذلك فهو عنده اختلاس.
وقال أبو حنيفة [6] : لا تكون محاربة في المِصر.
الباب الثاني: فأما المحارب: فهو كل من كان دمه محقونًا قبل الحرابة، وهو المسلم والذمي.
الباب الثالث: وأما ما يجب على المحارب، فاتفقوا على أنه يجب عليه حق لله وحق للآدميين.
(1) ... أخرجه البخاري (5685) ، ومسلم (1671) من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه.
(2) ... فتح القدير 4/ 275، وحاشية ابن عابدين 4/ 126، والشرح الصغير 2/ 435، وحاشية الدسوقي 4/ 348، وتحفة المحتاج 9/ 158، ونهاية المحتاج 8/ 4، وشرح منتهى الإرادات 6/ 261، وكشاف القناع 14/ 181.
(3) ... الشرح الصغير 2/ 435، وحاشية الدسوقي 4/ 348.
(4) ... تحفة المحتاج 9/ 157 و 158، ونهاية المحتاج 8/ 4.
(5) ... تحفة المحتاج 9/ 158 و 159، ونهاية المحتاج 8/ 4.
(6) ... فتح القدير 4/ 274، وحاشية ابن عابدين 4/ 126.