الصفحة 150 من 256

واتفقوا على أن حق الله هو القتل والصَّلب، وقطع الأيدي وقطع الأرجل من خلاف، والنفي على ما نص الله تعالى في آية الحرابة [1] .

واختلفوا في هذه العقوبات، هل هي على التخيير أو مرتبة على قدر جناية المحارب؟.

فقال مالك [2] : إن قتل فلا بد من قتله، وليس للإمام تخيير في قطعه ولا في نفيه، «وأما إذا أخذ المال ولم يقتل فلا تخيير في نفيه [3] » وإنما التخيير في قتله أو صلبه أو قطعه من خلاف.

وأما إذا أخاف السبيل فقط فالإمام عنده مخير في قتله أو صلبه أو قطعه أو نفيه، ومعنى التخيير عنده: أن الأمر راجع في ذلك إلى اجتهاد الإمام، فإن كان «1002 أ» المحارب ممن له الرأي والتدبير فوجه الاجتهاد قتله أو صلبه؛ لأن القطع لا يرفع ضرره، وإن كان لا رأي له، وإنما هو ذو قوة وبأس قطعه من خلاف، وإن كان ليس فيه شيء من هاتين الصفتين أخذ بأيسر ذلك فيه، وهو الضرب والنفي.

وذهب الشافعي [4] وأبو حنيفة [5] وجماعة من العلماء إلى أن هذه العقوبة هي مُرتبة على الجنايات المعلوم من الشرع ترتيبها عليه، فلا يُقتل من المحاربين إلا من قَتل، ولا يُقطع إلا من أخذ المال، ولا يُنفى إلا من لم يأخذ المال ولا قتل، وقال قوم: بل الإمام مخير فيهم على الإطلاق، وسواء قتل أو لم يقتل، أخذ المال أو لم يأخذه.

وسبب الخلاف: هل حرف «أو» في الآية للتخيير أو للتفصيل على حسب جناياتهم؟ ومالك حمل البعض من المحاربين على التفصيل والبعض على التخيير.

واختلفوا في معنى قوله: {أَوْ يُصَلَّبُوا} [المائدة: 33] فقال قوم: إنه يُصلب حتى يموت جوعًا، وقال قوم: بل معنى ذلك أنه يُقتل ويُصلب معًا، وهؤلاء منهم من قال: يُقتل أولًا ثم يُصلب، وهو قول أشهب [6] ، وقيل: إنه يُصلب حيًا ثم يُقتل في الخشبة، وهو قول ابن القاسم وابن الماجشون [7] .

ومن رأى أنه يُقتل أولًا ثم يُصلب صلى عليه عنده قبل الصلب.

ومن رأى أنه يُقتل في الخشبة، فقال بعضهم: لا يصلى عليه تنكيلًا له، وقيل: يقف خلف الخشبة ويُصلى عليه.

وقال سحنون: إذا قُتل في الخشبة أُنزل منها وصُلي عليه.

وهل يعاد إلى الخشبة بعد الصلاة؟ فيه قولان عنه، وذهب أبو حنيفة وأصحابه [8] : أنه لا يبقى على الخشبة أكثر من ثلاثة أيام.

(1) ... فتح القدير 4/ 268، وحاشية ابن عابدين 4/ 123 و 124، والشرح الصغير 2/ 436 و 437، وحاشية الدسوقي 4/ 349، وتحفة المحتاج 9/ 159 و 160، ونهاية المحتاج 8/ 7، وشرح منتهى الإرادات 6/ 264، وكشاف القناع 14/ 181.

(2) ... الشرح الصغير 2/ 436، وحاشية الدسوقي 4/ 349.

(3) ... ما بين المعقوفين ساقط من الأصل، والمثبت من بداية المجتهد.

(4) ... تحفة المحتاج 9/ 161، ونهاية المحتاج 8/ 7.

(5) ... فتح القدير 4/ 268 و 269، وحاشية ابن عابدين 4/ 123.

(6) ... المنتقى شرح الموطأ 7/ 172.

(7) ... الشرح الصغير 2/ 436، وحاشية الدسوقي 4/ 349.

(8) ... فتح القدير 4/ 271، وحاشية ابن عابدين 4/ 124 و 125.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت