وأما قوله: {أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ} [المائدة: 33] فمعناه: أن تُقطع يده اليمنى ورجله اليسرى، ثم إن عاد قُطعت يده اليسرى ورجله اليمنى، «واختلف إذا لم تقطع يده اليمنى؟ فقال ابن القاسم: تقطع يده اليسرى ورجله اليمنى [1] » وقال أشهب: تُقطع يده اليسرى ورجله اليسرى «1002 ب» .
واختلف أيضًا في قوله: {أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ} [المائدة: 33] فقيل: إن النفي هو السجن، وقيل: إن النفي هو أن يُنفى من بلد إلى بلد فيُسجن فيه إلى أن تظهر توبته - وهو قول ابن القاسم عن مالك [2] - ويكون بين البلدين أقل ما تقصر فيه الصلاة، والقولان عن مالك، وبالأول قال أبو حنيفة [3] ، وقال ابن الماجشون [4] : معنى النفي: هو فرارهم من الإمام لإقامة الحد عليهم، فأما أن يُنفى بعد أن يُقدر عليه فلا.
وقال الشافعي [5] : أما النفي فغير مقصود، ولكن إن هربوا شرَّدناهم في البلاد بالاتباع، وقيل: هي عقوبة مقصودة، فقيل: على هذا يُنفى ويُسجن دائمًا، وكلها عن الشافعي، وقيل: معنى {أَوْ يُنْفَوْا} ، أي: من أرض الإسلام إلى أرض الحرب.
والذي يظهر: أن النفي هو تغريبهم عن وطنهم؛ لقوله تعالى: {وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ} ... الآية [النساء: 66] .
فسوَّى بين النفي والقتل، وهي عقوبة معروفة بالعادة من العقوبات كالضرب والقتل، وكل ما يقال فيه سوى هذا فليس معروفًا لا بالعادة ولا بالعرف.
الباب الرابع: وأما ما يُسقط الحق الواجب عليه، فإن الأصل فيه: قوله تعالى: {إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ} [المائدة: 34] .
واختُلف من ذلك في أربعة مواضع:
أحدها: هل تُقبل توبته؟.
والثاني: إن قُبلت فما صفة المحارب الذي تُقبل توبته؟ فإن لأهل العلم في ذلك قولين:
قول: أنه تُقبل توبته وهو أشهر؛ لقوله تعالى: {إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ} .
وقول: أنه لا تُقبل توبته، قال ذلك من قال: إن الآية لم تنزل في المحاربين.
وأما صفة التوبة التي تُسقط الحكم: فإنهم اختلفوا فيها على ثلاثة أقوال:
أحدها: أن توبته تكون بوجهين:
أحدهما: أن يترك ما هو عليه وإن لم يأت الإمام.
والثاني: أن يُلقي سلاحه ويأتي الإمام طائعًا، وهو مذهب ابن القاسم [6] .
(1) ... ما بين المعقوفين سقط من الأصل، والمثبت من بداية المجتهد.
(2) ... الشرح الصغير 2/ 437، وحاشية الدسوقي 4/ 349.
(3) ... فتح القدير 4/ 269، وحاشية ابن عابدين 4/ 123.
(4) ... المنتقى شرح الموطأ 7/ 173، وشرح منح الجليل 4/ 545.
(5) ... المجموع 22/ 229، وتحفة المحتاج 9/ 159، ونهاية المحتاج 8/ 5.
(6) ... الشرح الصغير 1/ 160، وحاشية الدسوقي 4/ 352.