وأخرج الإسماعيلي هناك من طريق مروان بن معاوية، عن معاوية بن أبي العباس، عن أيوب، عن أبي قلابة، عن أنس، عن النبي صلى الله عليه سلم في قوله تعالى: {إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ} ، قال: «هم من عُكل» [1] .
قال الحافظ: قد ثبت في «الصحيحين» : أنهم كانوا من عُكل وعُرينة، فقد وجب التصريح الذي نفاه ابن بطال.
والمعتمد: أن الآية نزلت أولًا فيهم، وهي تتناول بعمومها من حارب من المسلمين بقطع الطريق، لكن عقوبة الفريقين مختلفة، فإن كانوا كفارًا يُخير الإمام فيهم إذا ظفر بهم، وإن كانوا مسلمين فعلى قولين:
أحدهما - وهو قول الشافعي [2] والكوفيين [3] : يُنظر في الجناية فمن قَتل قُتل، ومن أخذ المال قُطع، ومن لم يقتل ولم يأخذ مالًا نُفي، وجعلوا «أو» للتنويع، وقال مالك [4] : بل هي للتخيير، فيتخير الإمام في المحارب المسلم بين الأمور الثلاثة، رجح الطبري الأول.
واختلفوا في المراد بالنفي في الآية:
فقال مالك [5] والشافعي [6] : يخرج من بلد الجناية إلى بلدة أخرى، زاد مالك: فيُحبس فيها.
وعن أبي حنيفة [7] : بل يُحبس في بلده، وتُعقِّب: بأن الاستمرار في البلد، ولو كان مع الحبس إقامة فهو ضد النفي، فإن حقيقة النفي الإخراج من البلد، وقد قُرنت مفارقة الوطن بالقتل؛ قال تعالى: {وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ} [النساء: 66] .
وحُجة أبي حنيفة: أنه لا يؤمن منه استمرار المحاربة في البلدة الأخرى، فانفصل عنه مالك [8] : بأنه يُحبس بها «1005 أ» .
وقال الشافعي [9] : يكفيه مفارقة الوطن والعشيرة خذلانًا وذلًا» [10] .
وقال الحافظ أيضًا: «تنبيه: أشكل قوله في آية المحاربين {ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآَخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ} [المائدة: 33] ، مع حديث عبادة الدال على أن من أقيم عليه الحد في الدنيا كان له كفارة، فإن ظاهر الآية: أن المحارب يُجمع له الأمران.
(1) ... تفسير الطبري 6/ 206.
(2) ... تحفة المحتاج 9/ 161، ونهاية المحتاج 8/ 7.
(3) ... فتح القدير 4/ 269، وحاشية ابن عابدين 4/ 123.
(4) ... الشرح الصغير 2/ 436، وحاشية الدسوقي 4/ 349.
(5) ... الشرح الصغير 2/ 437، وحاشية الدسوقي 4/ 349.
(6) ... تحفة المحتاج 9/ 159، ونهاية المحتاج 8/ 5.
(7) ... فتح القدير 4/ 269، وحاشية ابن عابدين 4/ 123.
(8) ... الشرح الصغير 2/ 437، وحاشية الدسوقي 4/ 349.
(9) ... تحفة المحتاج 9/ 159، ونهاية المحتاج 8/ 5.
(10) ... فتح الباري 12/ 109 و 110.