قال الحافظ: «قال ابن بطال [1] : ذهب البخاري إلى أن آية المحاربة نزلت في أهل الكفر والرِّدة، وساق حديث العرنيين، وليس فيه تصريح بذلك، ولكن أخرج عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة حديث العرنيين ... وفي آخره قال [2] : بلغنا أن هذه الآية نزلت فيهم: {إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ} ... الآية [المائدة: 33[3] ]ووقع مثله في حديث أبي هريرة [4] ، وممن قال ذلك الحسن وعطاء والضحاك والزهري.
وذهب جمهور الفقهاء: إلى أنها نزلت في من خرج من المسلمين يسعى في الأرض بالفساد، ويقطع الطريق، وهو قول مالك [5] والشافعي [6] والكوفيين [7] ، ثم قال: ليس هذا منافيًا للقول الأول؛ لأنها وإن نزلت في العرنيين بأعيانهم لكن لفظها عام يدخل في معناه كل من فعل مثل فعلهم من المحاربة والفساد [8] .
وقال الحافظ: بل هما متغايران، والمرجع إلى تفسير المراد بالمحاربة، فمن حملها على الكفر خصَّ الآية بأهل الكفر، ومن حملها على المعصية عمَّ [9] .
ثم نقل ابن بطال [10] عن إسماعيل القاضي: أن ظاهر القرآن وما مضى عليه عمل المسلمين يدل على أن الحدود المذكورة في هذه الآية نزلت في المسلمين، وأما الكفار فقد نزل فيهم {فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ} ... إلى آخر الآية [محمد: 4] فكان حكمهم خارجًا عن ذلك.
وقال تعالى في آية المحاربة: {إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ} [المائدة: 34] وهي دالة على أن من تاب من المحاربين يسقط عنه الطلب بما ذكر بما جناه فيها ولو كانت الآية في الكافر لنفعته المحاربة، ولكان إذا أحدث الحرابة مع كفره اكتفينا بما ذكر في الآية، وسلم من القتل فتكون الحرابة خففت عنه القتل.
وأجيب عن هذا الإشكال: بأنه لا يلزم من إقامة هذه الحدود على المحارب المرتد مثلًا أن تسقط عنه المطالبة بالعود إلى الإسلام أو القتل، وقد تقدم في تفسير المائدة ما نقله المصنف عن سعيد بن جبير: أن معنى المحاربة لله الكفر به «1004 ب» .
وأخرج الطبري من طريق روح بن عبادة، عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن أنس في آخر قصة العُرنيين قال: فذكر لنا أن هذه الآية نزلت فيهم: {إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ} [المائدة: 33] ، وأخرج نحوه من وجه آخر عن أنس.
(1) ... شرح صحيح البخاري 8/ 416.
(2) ... أي قتادة.
(3) ... مصنف عبد الرزاق 10/ 107 (18538) .
(4) ... مصنف عبد الرزاق 10/ 108 (18541) .
(5) ... الفواكه الدواني 2/ 279، ومنح الجليل 4/ 543.
(6) ... تحفة المحتاج 9/ 157، ونهاية المحتاج 8/ 3.
(7) ... فتح القدير 4/ 268.
(8) ... شرح صحيح البخاري 8/ 417.
(9) ... كذا في الأصل، وفي الفتح: «عمم» .
(10) ... شرح صحيح البخاري 8/ 417.