الصفحة 167 من 256

وفيه: التحذير من الفتنة، والحث على اجتناب الدخول فيها، وأن شرَّها يكون بحسب التعلق بها، والمراد بالفتنة: ما ينشأ عن الاختلاف في طلب المُلك حيث لا يُعلم المحق من المبطل.

قال الطبري: اختلف السلف، فحمل ذلك بعضهم على العموم، وهم من قعد من الدخول في القتال بين المسلمين مُطلقًا كسعد وابن عمر ومحمد بن مسلمة وأبي بكرة في آخرين، وتمسكوا بالظواهر المذكورة وغيرها.

ثم اختلف هؤلاء، فقالت طائفة بلزوم البيوت، وقالت طائفة: بل بالتحول عن بلد الفتن أصلًا، ثم اختلفوا فمنهم من قال: إذا هجم عليه شيء من ذلك يكف يده ولو قتل، ومنهم من قال: بل يدافع عن نفسه وعن ماله وعن أهله وهو معذور إن قتل أو قُتل.

وقال آخرون: إذا بغت طائفة على الإمام فامتنعت من الواجب عليها ونصبت الحرب وجب قتالها، وكذلك لو تحاربت طائفتان وجب على كل قادر الأخذ على يد المخطئ، ونصر المصيب، وهذا قول الجمهور [1] .

وفصَّل آخرون، فقالوا: كل قتال وقع بين طائفتين من المسلمين حيث لا إمام للجماعة فالقتال حينئذ ممنوع، وتنزل الأحاديث التي في هذا الباب وغيره على ذلك، وهو قول الأوزاعي، قال الطبري: والصواب أن يقال: إن الفتنة أصلها الابتلاء، وإنكار المنكر واجب على كل من قدر عليه، فمن أعان المحق أصاب، ومن أعان المخطئ أخطأ، وإن أُشكل الأمر فهي الحالة التي ورد النهي عن القتال فيها.

وذهب آخرون: إلى أن الأحاديث وردت في حق ناس مخصوصين، وأن النهي مخصوص بمن «1011 ب» خوطب بذلك، وقيل: إن أحاديث النهي مخصوصة بآخر الزمان، حيث يحصل التحقق أن المقاتلة إنما هي في طلب المُلك، وقد وقع في حديث ابن مسعود: قلت: يا رسول الله، ومتى ذلك؟ قال: «أيام الهرْج» ، قلت: ومتى؟ قال: «حين لا يأمن الرجل جليسه [2] » [3] .

(1) ... فتح القدير 4/ 411، وحاشية ابن عابدين 4/ 285، والشرح الصغير 2/ 414 و 415، وحاشية الدسوقي 4/ 298 و 299، وتحفة المحتاج 9/ 70، ونهاية المحتاج 7/ 405 و 406، وشرح منتهى الإرادات 6/ 278، وكشاف القناع 14/ 216.

(2) ... أخرجه أحمد 1/ 449 (4287) من طريق معمر، عن إسحاق بن راشد، عن عمرو بن وابصة الأسدي، عن أبيه، عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، به.

قال الهيثمي في المجمع 7/ 589: رواه أحمد بإسنادين ورجال أحدهما ثقات.

(3) ... فتح الباري 13/ 31.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت