الصفحة 181 من 256

وأصل ذلك: أن بعض أهل العراق أنكروا سيرة بعض أقارب عثمان رضي الله عنه، فطعنوا على عثمان رضي الله عنه بذلك، وكان يقال لهم القُراء؛ لشدة اجتهادهم في التلاوة والعبادة، إلا أنهم كانوا يتأولون القرآن «1020 أ» على غير المراد منه، ويستبدون برأيهم، ويتنطعون في الزهد والخشوع وغير ذلك.

فلما قُتل عثمان رضي الله عنه قاتلوا مع علي رضي الله عنه واعتقدوا كفر عثمان رضي الله عنه ومن تابعه، واعتقدوا إمامة علي رضي الله عنه وكفر من قاتله من أهل الجمل الذين كان رئيسهم طلحة والزبير رضي الله عنهم، فإنهما خرجا إلى مكة بعد أن بايعا عليًا فلقيا عائشة رضي الله عنها - وكانت حجَّت تلك السنة - فاتفقوا على طلب قتلة عثمان رضي الله عنه، وخرجوا إلى البصرة يدعون الناس إلى ذلك.

فبلغ عليًا رضي الله عنه، فخرج إليهم فوقعت بينهم وقعة الجمل المشهورة، وانتصر علي رضي الله عنه وقُتل طلحة رضي الله عنه في المعركة، وقُتل الزبير رضي الله عنه بعد أن انصرف من الوقعة. فهذه الطائفة هي التي كانت تطالب بدم عثمان بالاتفاق.

ثم قام معاوية رضي الله عنه بالشام في مثل ذلك، وكان أمير الشام إذ ذاك، وكان علي رضي الله عنه أرسل إليه؛ لأن يبايع له أهل الشام فاعتل بأن عثمان رضي الله عنه قُتل مظلومًا وتجب المبادرة إلى الاقتصاص من قتلته، وأنه أقوى الناس على الطلب بذلك، ويلتمس من علي رضي الله عنه أن يمكنه منهم، ثم يبايع له بعد ذلك، وعلي يقول: ادخل فيما دخل فيه الناس، وحاكمهم [1] إلي أحكم فيهم بالحق.

فلما طال الأمر خرج عليٌّ في أهل العراق طالبًا قتال أهل الشام، «فخرج معاوية في أهل الشام [2] » قاصدًا إلى قتاله، فالتقيا بصفِّين فدامت الحرب بينهم أشهرًا، وكاد أهل الشام أن ينكسروا، فرفعوا المصاحف على الرماح ونادوا: ندعوكم إلى كتاب الله تعالى بإشارة عمرو بن العاص وهو مع معاوية، فترك جمعٌ كثير ممن كان مع علي وخصوصًا القُراء القتال بسبب ذلك تدينًا، واحتجوا بقوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ} ... الآية [آل عمران: 23] ، فراسلوا أهل الشام في ذلك، فقالوا: ابعثوا حكمًا منكم وحكمًا منا، ويحضر معهما من لم يباشر القتال، فمن رأوا الحق معه أطاعوه، فأجاب علي ومن معه ذلك، وأنكرت ذلك تلك الطائفة التي صاروا خوارج.

وكتب عليٌّ بينه وبين معاوية كتاب الحكومة بين أهل العراق والشام «1020 ب» : هذا ما قاضى عليه أمير المؤمنين علي ومعاوية، فامتنع أهل الشام من ذلك وقالوا: اكتبوا اسمه واسم أبيه، فأجاب علي إلى ذلك فأنكره عليه الخوارج أيضًا.

ثم انفصل الفريقان على أن يحضر الحكمان ومن معهما بعد مدة عينوها في مكان وسط بين الشام والعراق، ويرجع العسكران إلى بلادهم إلى أن يقع الحكم، فرجع معاوية إلى الشام، ورجع علي إلى الكوفة، ففارقه الخوارج وهم ثمانية آلاف، وقيل: كانوا أكثر من عشرة آلاف، وقيل: ستة آلاف، ونزلوا مكانًا يُقال له: حروراء، ومن ثم قيل لهم: الحرورية.

(1) ... في الأصل: و «حاكم» ، والمثبت من الفتح.

(2) ... ما بين المعقوفين سقط من الأصل، واستدرك من الفتح.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت