فهرس الكتاب
سَلَفَ [الأنفال: 38] ، قال: ووجه هذا الحديث أن الكافر إذا أسلم لم يؤاخذ بما مضى، فإن أساء في الإسلام غاية الإساءة وركب أشد المعاصي، وهو مستمر على الإسلام، فإنه إنما يؤاخذ بما جناه من المعصية في الإسلام، ويُبكت بما كان منه في الكفر، كأن يقال له: ألست فعلت كذا وأنت كافر، فهلا منعك إسلامك عن معاودة مثله؟! انتهى ملخصًا.
وحاصله: أنه أول المؤاخذة في الأول بالتبكيت، وفي الآخر بالعقوبة، والأولى قول غيره: إن المراد بالإساءة الكفر؛ لأنه غاية الإساءة وأشد المعاصي، فإذا ارتد ومات على كفره كان كمن لم يسلم فيعاقب على جميع ما قدمه، وإلى ذلك أشار البخاري بإيراد هذا الحديث بعد حديث أكبر الكبائر الشرك، وأورد كلًا في أبواب المرتدين.
ونقل ابن بطال [1] ، عن المهلب «1031 ب» ، قال: معنى حديث الباب: من أحسن في الإسلام بالتمادي على محافظته، والقيام بشرائطه لم يُؤاخذ بما عمل في الجاهلية، ومن أساء في الإسلام - أي: في عقيدته - بترك التوحيد أُخذ بكل ما أسلفه.
قال ابن بطال [2] : فعرضته على جماعة من العلماء فقالوا: لا معنى لهذا الحديث غير هذا، ولا تكون الإساءة هنا إلا الكفر؛ للإجماع على أن المسلم لا يُؤاخذ بما عمل في الجاهلية [3] .
قال الحافظ: وبه جزم المُحب الطبري، ونقل ابن التين عن الداودي معنى: من أحسن مات على الإسلام، ومن أساء مات على غير الإسلام، وعن أبي عبد الملك البوني: معنى من أحسن في الإسلام، أي: أسلم إسلامًا صحيحًا لا نفاق فيه ولا شك، ومن أساء في الإسلام، أي: أسلم رياءً وسمعةً، وبهذا جزم القرطبي [4] .
ولغيره: معنى الإحسان: الإخلاص حين دخل فيه، وداوم عليه إلى موته، والإساءة بضد ذلك، فإنه إن لم يخلص إسلامه كان منافقًا، فلا ينهدم عنه ما عمل في الجاهلية فيضاف نفاقه المتأخر إلى كفره الماضي، فيعاقب على جميع ذلك.
قال الحافظ: وحاصله: أن الخطابي حمل قوله: في الإسلام، على صفة خارجة عن ماهية الإسلام، وحمله غيره على صفة في نفس الإسلام، وهو أوجه.
تنبيه: حديث ابن مسعود هذا يقابل حديث أبي سعيد الماضي في كتاب الإيمان مُعلقًا عن مالك، فإن ظاهر هذا: أن من ارتكب المعاصي بعد أن أسلم يُكتب عليه ما عمله من المعاصي قبل أن يُسلم، وظاهر ذلك: أن من عمل الحسنات بعد أن أسلم يُكتب له ما عمله من الخيرات قبل أن يُسلم، وقد مضى القول في توجيه الثاني عند شرحه، ويحتمل أن يجيء هنا بعض ما ذكر هناك كقول من قال: إن معنى كتابة ما عمله «1032 أ» من
(1) ... شرح صحيح البخاري 8/ 570.
(2) ... شرح صحيح البخاري 8/ 570.
(3) ... فتح القدير 2/ 114، وحاشية ابن عابدين 4/ 271، والشرح الصغير 2/ 419، وحاشية الدسوقي 4/ 310، ومغني المحتاج 3/ 194، وشرح منتهى الإرادات 3/ 118، وكشاف القناع 14/ 258.
(4) ... المفهم 1/ 327.