الصفحة 204 من 256

قال ابن بطال [1] : اختُلف في استتابة المرتد:

فقيل: يُستتاب، فإن تاب وإلا قُتل «1034 أ» ، وهو قول الجمهور [2] .

وقيل: يجب قتله في الحال، جاء ذلك عن الحسن وطاوس، وبه قال أهل الظاهر [3] .

قال الحافظ: ونقله ابن المنذر [4] ، عن معاذ وعبيد بن عمير، وعليه يدل تصرف البخاري، فإنه استظهر بالآيات التي لا ذكر فيها للاستتابة، والتي فيها أن التوبة لا تنفع، وبعموم قوله: «من بدل دينه فاقتلوه» [5] ، وبقصة معاذ التي بعدها، ولم يذكر غير ذلك.

قال الطحاوي [6] : ذهب هؤلاء إلى أن حكم من ارتد عن الإسلام حكم الحربي الذي بلغته الدعوة، فإنه يُقاتل من قبل أن يُدعى، قالوا: وإنما تشرع الاستتابة لمن خرج عن الإسلام لا عن بصيرة، فأما من خرج عن بصيرة فلا.

ثم نقل عن أبي موسى موافقتهم، لكن قال: إن جاء مبادرًا بالتوبة خليت سبيله ووكلت أمره إلى الله تعالى.

وعن ابن عباس وعطاء: إن كان أصله مُسلمًا لم يُستتب وإلا استتيب، واستدل ابن القصار لقول الجمهور بالإجماع - يعني: السكوتي - لأن عُمر كتب في أمر المرتد: هلا حبستموه ثلاثة أيام، وأطعمتموه في كل يوم رغيفًا؛ لعله يتوب فيتوب الله عليه [7] .

قال: ولم يُنكر ذلك أحد من الصحابة كأنهم فهموا من قوله صلى الله عليه وسلم: «من بدَّل دينه فاقتلوه» ، أي: إن لم يرجع، وقد قال تعالى: {فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآَتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ} [التوبة: 5] .

واختلف القائلون بالاستتابة: هل يُكتفى بالمرة أو لا بد من ثلاث؟

وهل الثلاث في مجلس أو في يوم أو في ثلاثة أيام؟.

وعن علي: يُستتاب شهرًا، وعن النخعي: يُستتاب أبدًا، كذا نُقل عنه مطلقًا، والتحقيق: أنه في من تكررت منه الردة [8] . ثم ذكر في الباب حديثين: قوله: أتي علي - هو علي بن أبي ط الب - تقدم في باب لا يُعذب بعذاب

(1) ... شرح صحيح البخاري 8/ 571 و 572.

(2) ... فتح القدير 4/ 386، وحاشية ابن عابدين 4/ 244، والشرح الصغير 2/ 417 و 418، وحاشية الدسوقي 4/ 304، وتحفة المحتاج 9/ 96، ونهاية المحتاج 7/ 419، وشرح منتهى الإرادات 6/ 290، وكشاف القناع 14/ 242 و 243.

(3) ... مختصر الإيصال الملحق بالمحلى 11/ 192 و 193.

(4) ... انظر: الإشراف 8/ 53 (5175) .

(5) ... البخاري (6922) .

(6) ... شرح معاني الآثار 3/ 210.

(7) ... أخرجه مالك 2/ 280، وعنه الشافعي في الأم 1/ 258، عن عبد الرحمن بن محمد بن عبد الله بن عبد القاري، عن أبيه، أنه قال: قدم على عمر بن الخطاب رضي الله عنه رجلٌ من قبل أبي موسى الأشعري فسأله عن الناس، فأخبره، ثم قال له عمر: هل كان فيكم من مُغرِّبة خبر؟ فقال: نعم، رجل كفر بعد إسلامه، قال: فما فعلتم به؟ قال: قربناه فضربنا عنقه، فقال عمر: أفلا حبستموه ... الأثر.

قلت: محمد بن عبد الله والد عبد الرحمن من أتباع التابعين، فالإسناد منقطع.

قال الشافعي: من قال: لا يتأنى بالمرتد، زعموا أن هذا الأثر المروي عن عمر: «لو حبستموه ثلاثًا» ليس بثابتٍ؛ لأنه لا يعلمه متصلًا، وإن كان ثابتًا كان لم يجعل على من قتله قبل ثلاث شيئًا.

انظر: البدر المنير 8/ 575، وإرواء الغليل 8/ 130 - 131.

(8) ... علق المؤلف في حاشية الأصل: «لعله: من تكررت منه الردة يُقتل ولا يُستتاب» .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت