الصفحة 59 من 256

وثبت عن جماعة من الصحابة تلقين المقر بالحد كما أخرجه مالك، عن عمرو بن أبي شيبة، عن أبي الدرداء، وعن علي في قصة شراحة.

ومنهم من خص التلقين بمن يظن به أنه يجهل حكم الزنى، وهو قول أبي ثور، وعند المالكية: يُستثنى تلقين المشتهر بانتهاك الحرمات، ويجوز تلقين من عداه، وليس ذلك بشرط.

وفيه: ترك سجن من اعترف بالزنى في مدة الاستثبات، وفي الحامل حتى تضع، وقيل: إن المدينة لم يكن بها حينئذ سجن، وإنما كان يسلم كل جانٍ لوليه.

وقال ابن العربي [1] : إنما لم يُؤمر بسجنه ولا التوكيل به؛ لأن رجوعه مقبول فلا فائدة في ذلك مع جواز الإعراض عنه إذا رجع.

ويؤخذ من قوله: «هل أحصنت؟» وجوب الاستفسار عن الحال التي تختلف الأحكام باختلافها [957 ب] .

وفيه: أن المُقر بالزنى إذا أقر يُترك، فإن صرح بالرجوع فذاك، وإلا أتبع ورجم، وهو قول الشافعي [2] وأحمد [3] ، ودلالته من قصة ماعز ظاهرة، وقد وقع في حديث نعيم بن هزَّال: «هلا تركتموه لعله يتوب، فيتوب الله عليه» ، أخرجه أبو داود وصححه الحاكم [4] .

وعند أبي داود من حديث بُريدة، قال: كنا أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم نتحدث أن ماعزًا والغامدية لو رجعا لم يطلبهما [5] .

وعند المالكية [6] في المشهور: لا يترك إذا هرب، وقيل: يشترط أن يؤخذ على الفور، فإن لم يؤخذ ترك، وعن ابن عيينة: إن أخذ في الحال كمل عليه الحد، وإن أخذ بعد أيام تُرك، وعن أشهب: إن ذكر عُذرًا يُقبل ترك، وإلا فلا، ونقله القعنبي عن مالك، وحكى الكجي عنه قولين في من رجع إلى شبهة، ومنهم من قيده بما بعد إقراره عند الحاكم.

واحتجوا: بأن الذين رجموه حتى مات بعد أن هرب لم يلزموا بديته، فلو شرع تركه لو جبت عليهم الدية.

والجواب: أنه لم يصرح بالرجوع، ولم يقل أحد: إن الرجم يسقط بمجرَّد الهرب، وقد عبَّر في حديث بريدة بقوله: «لعله يتوب» .

(1) ... أحكام القرآن لابن العربي 4/ 301.

(2) ... تحفة المحتاج 9/ 113، ونهاية المحتاج 7/ 431.

(3) ... شرج منتهى الإرادات 6/ 193، وكشاف القناع 14/ 61.

(4) ... تقدم تخريجه 9/ 97.

(5) ... أبو داود (4434) ، وأخرجه أيضًا النسائي في الكبرى 4/ 304 (7271) ، والطحاوي 3/ 143، من طريق «أبي أحمد الزبيري، ومحمد بن فضيل، وأبي نعيم» عن بشير بن المهاجر، حدثني عبد الله بن بريدة، عن أبيه، به.

قال المنذري في المختصر 6/ 252 (4272) : في إسناده بشير بن مهاجر الكوفي. قال الألباني في الإرواء 8/ 28: بشير بن المهاجر - وإن أخرج له مسلم - فهو لين الحديث كما في التقريب، فلا يحتج به، لا سيما عند التفرد كما هنا، والله أعلم.

(6) ... الشرح الصغير 2/ 423، وحاشية الدسوقي 4/ 319.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت