الصفحة 58 من 256

وزاد ابنُ أبي ليلى فاشترط أن تتعدد مجالس الإقرار، وهي رواية عن الحنفية [1] ، وتمسكوا بصورة الواقعة، لكن الروايات فيها اختلفت.

والذي يظهر: أن المجالس تعددت، لكن لا بعدد الإقرار، فأكثر ما نقل في ذلك: أنه أقر مرتين ثم عاد من الغد فأقر مرتين، كما تقدم بيانه عند مسلم [2] .

وتأوَّل الجمهور: بأن ذلك وقع في قصة ماعز، وهي واقعة حال فجاز أن يكون لزيادة الاستثبات، ويؤيد هذا الجواب ما تقدم في سياق حديث أبي هريرة، وما وقع عند مسلم في قصة الغامدية حيث قالت لما جاءت: طهرني، فقال: «ويحك، ارجعي فاستغفري» ، قالت: أراك تريد أن ترددني كما رددت ماعزًا، إنها حُبلى من الزنى [3] ، فلم يؤخر إقامة الحد عليها إلا لكونها حُبلى، فلما وضعت أمر برجمها، ولم يستفسرها مرة أخرى، ولا اعتبر تكرير إقرارها ولا تعدد المجالس، وكذا وقع في قصة العسيف حيث قال: «واغد يا أنيس إلى امرأة هذا، فإن اعترفت فارجمها» ، وفيه: فغدا عليها فاعترفت فرجمها [4] . ولم يذكر تعدد الاعتراف ولا المجالس.

وأجابوا عن القياس المذكور: بأن القتل لا يقبل فيه إلا شاهدان، بخلاف سائر الأموال فيقبل فيها شاهد وامرأتان، فكان قياس ذلك: أن يشترط الإقرار بالقتل مرتين. وقد اتفقوا أنه يكفي فيه مرة [5] .

فإن قلت: والاستدلال بمجرد عدم الذكر في قصة العسيف وغيره فيه نظر؛ فإن عدم الذكر لا يدل على عدم الوقوع، فإذا ثبت كون العدد شرطًا فالسكوت عن ذكره يحتمل أن يكون لعلم المأمور به، وأما قول الغامدية: تريد أن ترددني كما رددت ماعزًا، فيمكن التمسك به، لكن أجاب الطيبي: بأن قولها: إنها حُبلى من الزنى، فيه إشارة إلى أن حالها مغايرة لحال ماعز؛ لأنهما [957 أ] وإن اشتركا في الزِّنى لكن العلة غير جامعة؛ لأن ماعزًا كان متمكنًا من الرجوع عن إقراره بخلافها، فكأنها قالت: أنا غير متمكنة من الإنكار بعد الإقرار؛ لظهور الحمل بها بخلافه، وتعقب: بأنه كان يمكنها أن تدعي إكراهًا أو خطأ أو شبهة.

وفيه: أن الإمام لا يشترط أن يبدأ بالرجم في من أقر وإن كان ذلك مستحبًا؛ لأن الإمام إذا بدأ مع كونه مأمورًا بالتثبت والاحتياط فيه كان ذلك أدعى إلى الزجر عن التساهل في الحكم، وإلى الحض على التثبت في الحكم؛ ولهذا يبدأ الشهود إذا ثبت الرجم بالبينة.

وفيه: جواز تفويض الإمام إقامة الحد لغيره، وفيه: جواز تلقين المقر بما يوجب الحد ما يدفع به عنه الحد، وأنه لا يجب إلا بالإقرار الصريح، ومن ثمَّ شرط على من شهد بالزنى أن يقول: رأيته ولج ذكره في فرجها، أو ما أشبه ذلك، ولا يكفي أن يقول: أشهد أنه زنى.

(1) ... فتح القدير 4/ 117، وحاشية ابن عابدين 4/ 10.

(3) ... مسلم (1695) ، من حديث بريدة بن الحصيب رضي الله عنه.

(4) ... البخاري (2314) ، ومسلم (1697) ، من حديث أبي هريرة وزيد بن خالد الجهني رضي الله عنهما.

(5) ... الشرح الصغير 2/ 423، وحاشية الدسوقي 4/ 318، وتحفة المحتاج 9/ 112 و 113، ونهاية المحتاج 7/ 430.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت