أنزلها الله، ألا وإن الرجم حق على من زنى وقد أحصن إذا قامت البينة، أو كان الحمل أو الاعتراف - قال سفيان: كذا حفظت - ألا وقد رجم رسول الله صلى الله عليه وسلم ورجمنا بعده» [1] .
قال الحافظ: «قوله: «باب الاعتراف بالزنى» ، هكذا عبَّر بالاعتراف؛ لوقوعه في حديثي الباب، وقد تقدم في شرح قصة ماعز البحث في أنه هل يشترط في الإقرار بالزنى التكرير أو لا؟ واحتج من اكتفى بالمرة [956 أ] بإطلاق الاعتراف في الحديث، ولا يعارض ما وقع في قصة ماعز من تكرر الاعتراف؛ لأنها واقعة حال كما تقدم» [2] .
وقال الحافظ أيضًا في [باب] [3] : «لا يرجم المجنون والمجنونة» في شرح حديث ماعز: «وفيه: التثبت في إزهاق نفس المسلم، والمبالغة في صيانته؛ لما وقع في هذه القصة من ترديده، والإيماء إليه بالرجوع، والإشارة إلى قبول دعواه إن ادعى إكراهًا، أو خطأ في معنى الزنى، أو مباشرة دون الفرج مثلًا أو غير ذلك.
وفيه: مشروعية الإقرار بفعل الفاحشة عند الإمام وفي المسجد، والتصريح فيه بما يستحي من التلفظ به من أنواع الرفث في القول من أجل الحاجة الملجئة لذلك.
وفيه: نداء الكبير بالصوت العالي، وإعراض الإمام عمن أقر بأمر محتمل لإقامة الحد؛ لاحتمال أن يفسره بما لا يُوجب حدًا أو يرجع، واستفساره عن شروط ذلك ليترتب عليه مقتضاه، وأن إقرار المجنون لاغٍ، والتعريض للمقر بأن يرجع، وأنه إذا رجع قُبل.
قال ابن العربي [4] : وجاء عن مالك رواية [5] : أنه لا أثر لرجوعه، وحديث النبي صلى الله عليه وسلم أحق أن يُتبع.
وفيه: أنه يُستحب لمن وقع في معصية وندم أن يبادر إلى التوبة منها، ولا يخبر بها أحدًا، ويستتر بستر الله.
وإن اتفق أنه يخبر أحدًا فيستحب أن يأمره بالتوبة، وستر ذلك عن الناس كما جرى لماعز مع أبي بكر ثم عُمر، وفي القصة: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لهزَّال: «لو سترته بثوبك لكان خيرًا لك [6] » ...
إلى أن قال: واستدل به على اشتراط تكرير الإقرار بالزِّنى أربعًا؛ لظاهر قوله: «فلما شهد على نفسه أربع شهادات ... » ، فإن فيه إشعارًا بأن العدد هو العلة في تأخير إقامة الحد عليه، وإلا لأمر برجمه في أول مرة، ولأن في حديث ابن عباس: قال لماعز: «قد شهدت على نفسك أربع شهادات، اذهبوا به فارجموه» [7] .
ويؤيده: القياس على عدد شهود الزنى دون غيره من الحدود، وهو قول الكوفيين [8] ، والراجح عند الحنابلة [9] [956 ب] .
(1) ... البخاري (6829) .
(2) ... فتح الباري 12/ 137.
(3) ... ليست في الأصل، والسياق يقتضيها.
(4) ... أحكام القرآن لابن العربي 4/ 300.
(5) ... المنتقى شرح الموطأ 7/ 155.
(6) ... تقدم تخريجه 9/ 97.
(7) ... أخرجه أبو داود (4426) .
(8) ... فتح القدير 4/ 114، وحاشية ابن عابدين 4/ 7.
(9) ... شرح منتهى الإرادات 6/ 193، وكشاف القناع 14/ 63.