ومال الخطابي إلى تأويل الحديث في الأمر بالقتل، فقال: قد يرد الأمر بالوعيد ولا يراد به وقوع الفعل، وإنما قصد به الردع والتحذير، ثم قال: ويحتمل أن يكون القتل في الخامسة كان واجبًا [973 ب] ثم نسخ بحصول الإجماع من الأمة على أنه لا يُقتل [1] .
وأما ابن المنذر فقال: كان العمل في من شرب الخمر أن يُضرب وينكل به، ثم نُسخ بالأمر بجلده، فإن تكرر ذلك أربعًا قُتل، ثم نُسخ ذلك بالأخبار الثابتة، وبإجماع أهل العلم إلا من شذ مما لا يُعد خلافًا [2] .
قال الحافظ: وكأنه أشار إلى بعض أهل الظاهر، فقد نقل عن بعضهم، واستمر عليه ابن حزم منهم واحتج له، وادعى أن «لا إجماع، وأورد [3] » من مسند الحارث بن أبي أسامة ما أخرجه هو والإمام أحمد من طريق الحسن البصري، عن عبد الله بن عمرو أنه قال: ائتوني برجل أقيم عليه الحد - يعني ثلاثًا - ثم سكر، فإن لم أقتله فأنا كذاب [4] ، وهذا منقطع؛ لأن الحسن لم يسمع من عبد الله بن عمرو، كما جزم به ابن المديني وغيره، فلا حُجة فيه، وإذا لم يصح هذا عن عبد الله بن عمرو لم يبق لمن رد الإجماع على ترك القتل مُتمسك، حتى ولو ثبت عن عبد الله بن عمرو، لكان عذره: أنه لم يبلغه النسخ، وعد ذلك من ندرة المخالف، وقد جاء عن عبد الله بن عمرو أشد من الأول، فأخرج سعيد بن منصور عنه بسندٍ لين، قال: لو رأيت أحدًا يشرب الخمر واستطعت أن أقتله لقتلته.
وأما قول بعض من انتصر لابن حزم: فطعن في النسخ: بأن معاوية إنما أسلم بعد الفتح، وليس في شيء من أحاديث غيره الدالة على نسخه التصريح بأن ذلك متأخر عنه.
وجوابه: أن معاوية أسلم قبل الفتح، وقيل: في الفتح، وقصة ابن النُعيمان كانت بعد ذلك؛ لأن عقبة بن الحارث حضرها، إما بحنين وإما بالمدينة، وهو إنما أسلم في الفتح وحنين، وحضور عقبة إلى المدينة كان بعد الفتح جزمًا، فثبت ما نفاه هذا القائل، وقد عمل بالناسخ بعض الصحابة، فأخرج عبد الرزاق في «مصنفه» بسند لين عن عمر بن الخطاب: أنه جلد أبا محجن الثقفي في الخمر «974 أ» ثمان مرار [5] . وأورد نحو ذلك عن سعد بن أبي وقاص، وأخرج حماد بن سلمة في «مصنفه» من طريق أخرى رجالها ثقات، أن عمر جلد أبا محجن في الخمر أربع مرار، ثم قال له: أنت خليع، فقال: أما إذ خلعتني فلا أشربها أبدًا» [6] .
(1) ... معالم السنن 3/ 293 (1182) .
(2) ... الإجماع (663) ، وانظر: فتح القدير 4/ 185، وحاشية ابن عابدين 4/ 44، والشرح الصغير 2/ 438، وحاشية الدسوقي 4/ 353، وتحفة المحتاج 9/ 171، ونهاية المحتاج 8/ 14، وشرح منتهى الإرادات 6/ 219، وكشاف القناع 14/ 99.
(3) ... في الأصل: «الإجماع وارد» ، والمثبت من الفتح.
(4) ... أحمد 2/ 211.
(5) ... عبد الرزاق 7/ 318 (13554) .
(6) ... فتح الباري 12/ 75 - 81.