الصفحة 15 من 34

بين الأصوليين أكثر منه في الإجماع الصريح. وإنه من المجازفة في رأينا دعوى المؤلِّف بأن هذا الإجماع السكوتي يمكنه أن ينقل المسألة -محل النزاع- من الظن إلى القطع، ويُخصِّص النصوص، وينسخها بإطلاق بما يشمل الكتاب والسُّنة المشهورة والآحادية. ولو أنه قال إنّ حجية هذا الإجماع تظل ظنية -فيُعامَل كأحد الأدلة الظنية في المسألة -محل البحث- كما قاله جماعة من الأصوليين- لكان هذا أدعى إلى القبول.

على أنّ الحرص على تكثير مواطن الإجماع في مسائل الفروع وإن كان مفيدًا من جهة توحيد عمل الأمّة إلا أنّه من جهة أخرى يؤدّي إلى تضييق حركة الفكر والاجتهاد وحصرها والحدّ من سَعَة الدين والرأي، ومن ثَمّ يحول دون تطوّر الفقه بحسب تغيّر الظروف والأزمان. ولا يكفي في الحيلولة دون هذه النتيجة (أي تضييق حركة الفكر والاجتهاد) الاحترازُ بالقول عند تعداد شروط الإجماع المحتج به: إن الإجماعات المبنية على المصالح المُتغيِّرة والظروف ليست بحجة، وذلك لأن الإجماعات تُنقَل غالبًا من دون بيان مستنداتها وبواعثها، ولا سيما ما كان مستنده مصلحةً ظرفيةً مؤقَّتةً. وقد كان الأحرى -من وجهة نظرنا- بدلا من الاستماتة في تقرير حجية الإجماع الأصولي -ولو بصورته السكوتية- البحث عن صيغة أُخرى للإجماع أكثر جدوى وفائدةً وواقعيةً وتواؤمًا مع مقاصد الشريعة في نبذ الفرقة والاختلاف، تُقوِّي قيمة الاتِّفاقات الحادثة في كل مرحلة زمنية معيَّنة في ضِمن حدود هذه المرحلة، وتدعو إلى احترامها من قِبَل أهل هذه المرحلة خاصةً، من دون أن ينسحب ذلك على أهل الأعصار التالية لتلك المرحلة حتى يوم القيامة، على ما هو الحال في التصوُّر الأصولي التقليدي للإجماع، مع استثناء عصر الصحابة طبعًا؛ لأن اتِّفاقهم -ولو سكوتيًا- مع انتشار القول، مظنّةٌ قوية لوجود نصٍّ شرعي عنه صدر اتِّفاقهم. وإذا كان قول الواحد منهم وفتواه حجّة عند الأكثر لمظنة صدوره عن نصٍّ أو قرينةٍ،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت