وهذا مخالف لمنهجية هذا الكتاب، على أنّه لم يُحرِّر جيِّدًا محلّ النزاع في قصْر العام على سببه؛ أي قصْره على نوع السبب، لا على الواقعة نفسها أو أفرادها أنفسهم، وهذا باتِّفاق المختلفين في المسألة، كما نبَّه على ذلك الرازي، وابن تيمية، وغيرهما.
ثم إنّا نرى أن بحث مسألة ورود العموم على سبب، ومسألة النسخ على هذا النحو المتسع عند الحديث عن القرآن الكريم، ليس بالنهج الأفضل في التأليف والترتيب، لسببين؛ الأول: أن المسألتين لا تختصان بالقرآن، وإنما تدخل فيهما السُّنة. والثاني: أن فهم مباحثهما يتطلب الإحاطة باصطلاحات كثيرة في باب الدلالات (مثل: العام والخاص، والتقييد، وحقيقة التخصيص لإدراك الفرق بينه وبين النسخ، والسُّنة المتواترة والآحادية، وغير ذلك من القضايا والاصطلاحات التي لمّا تُشرَح بعدُ في تسلسل الكتاب) ؛ فكان الأَوْلى بحثهما في باب طرق الاستنباط كما يفعل غالب الأصوليين، لا في هذا الموضع.
أمّا الفصل الثاني (السُّنة) فقد تطرَّق فيه المؤلِّف إلى ثلاثة عناوين، هي: مفهوم السُّنة، وحجية السُّنة وطرق إثباتها، وكيفية التعامل مع السُّنة.
وفيما يخص مفهوم السُّنة، فقد عرَّفها المؤلّف بأنها ما صدر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - غير القرآن الكريم- من: قول، أو فعل، أو تقرير، ممّا يصلح أن يكون دليلًا لحكم شرعي. بعد ذلك شرح هذا التعريف، ثم انطلق منه إلى تمييز أحوال النبي - صلى الله عليه وسلم - من حيث إن ما صدر عنه كان بمقتضى التشريع أو غيره، مُقرِّرًا أن الأصل العام هو أن ما صدر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - يُراد به التشريع العام، وأنه استثناء قد يصدر لأحوالٍ أُخرى؛ كأن يكون بمقتضى الفطرة والجبلة، أو العادة، أو الإمامة، أو القضاء. ثم ذكر جهود العلماء