الصفحة 13 من 34

وأمّا الفصل الثالث (الإجماع) فجاء في تمهيد، وثلاثة عناوين، هي: مفهوم الإجماع، وحجية الإجماع، وأركان الإجماع وشروطه.

وفيما يخص التمهيد، فقد أبرز المؤلِّف مكانة الإجماع، واختار مدخلًا تاريخيًا في دراسته للخلاص ممّا كبَّل مباحثه من خلافات، مُبيِّنًا فيه كيف استُثمِر الإجماع في عصور السلف والأئمة الفقهاء إلى حين التنظير لهذا الدليل عند الأصوليين الذين اتسعت بينهم شُقَّة الخلاف في كثير من مباحثه، مُتأثِّرين بمذاهبهم العقدية والفقهية؛ لذا غلب على مباحثه التجريد والجدل من دون التكامل مع عمل الفقهاء. وقد قرَّر المؤلّف أن الخطوة الأولى لإصلاح هذا الدليل (بُغْيةَ استثماره) هي تحرير محالِّ النزاع في مباحثه، ومن هنا ولج إلى الجانب الأول من الموضوع، وهو مفهوم الإجماع، واستعان في ذلك بخلاصة تركيبية لمفاهيم الإجماع، ذكرها ابن عاشور الذي أفاد بأن ّالأصوليين استعملوا الإجماع في مفاهيم ثلاثة؛ أولها: اتِّفاق المسلمين جيلًا بعد جيل على إسناد قول، أو فعل، أو هيئة إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -، وهو المُعبَّر عنه بالمعلوم ضرورةً. وثانيها: اتِّفاق مجتهدي أحد عصور الإسلام على حكمٍ لدليل. وثالثها: سكوت العلماء في أحد هذه العصور على قول أو فعل، وهو المُعبَّر عنه بالإجماع السكوتي.

أمّا الإجماع بالمفهوم الأول فوظيفته إفادة وحدة الفهم للنص، وانتقاله من ظنية الدلالة إلى قطعيتها، ودخول النص حينئذٍ"المنطقة المغلقة"التي لا تقبل التطور وتغيير الاجتهاد. وأمّا الإجماع بالمفهوم الثاني فخيالي غير واقعي؛ لذا كانت وظيفته ضعيفة جدًا في تراثنا الأصولي، فقد وُلِدت من رحم طريقة المتكلمين التي لا تتقيّد في البحث بحدود الممارسة الفقهيّة والاحتياجات الواقعيّة. وأمّا الإجماع بالمفهوم الثالث -وهو السّكوتي- فقد كان له أثرٌ مهم جدًا في نمو الفقه

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت