وأكثرها غموضًا وتعقيدًا واضطرابًا، وهو -في الوقت نفسه- من أهمها في بناء مَلَكة الاجتهاد والنظر الفقهي، ولا سيما في النوازل، وما لم يرد فيه نصٌّ، ولذلك كان الخوض في تجديده، وتهذيبه، وحل إشكالاته، وضبط اصطلاحاته، وتقييم مباحثه ونقدها، وربطه بالفقه المعاصر ليكون مثمرًا له؛ أمرًا ليس بالسهل، ولم نرَ أحدًا جرؤ عليه من المعاصرين حتى الآن.
وعرض الفصل الخامس من هذا الباب لموضوع المصلحة، وقد جعله المؤلِّف في ثلاثة عناوين، هي: المصلحة: تعريفات وتقسيمات، وحجية المصلحة، والعلاقة بين النص والمصلحة.
وفيما يخص العنوان الأول، فقد رفع فيه المؤلِّف اللبس عن قول الأصوليين: مصلحة ملغاة، ومصلحة مرسلة، مُبيِّنًا أن المصلحة الملغاة -في حقيقتها، أو في مآلها- ليست مصلحة، وأن المرسلة إنما أُرسِلت عن دليل جزئي يدل عليها، وإلا فهي مندرجة في نصوص الشرع العامة وقواعده الكلية. ثم ذكر المؤلِّف تعريف المصلحة، وبيَّن خصائصها وأقسامها، وأنها دنيوية وأُخروية، وعاجلة وآجلة، وحسية ومعنوية، وأنها المصلحة ذاتها أو وسيلتها، وأن المصلحة والمفسدة متلازمتان في مواقع الوجود، وأن الاعتبار هو لما غلبت مصلحته على مفسدته، وأن المصالح والمفاسد درجات (ضروري، وحاجي، وتحسيني) ، وأن تصنيفها بهذه الصورة يفيد في الترجيح بينها عند التعارض.
أمّا العنوان الثاني (حجية المصلحة) فبيَّن فيه المؤلِّف أن الناظر في بعض كتب الأصول يجد أن حجية المصلحة المرسلة مُختلَف فيها، وأن القائل بها هو الإمام مالك وأتباع مذهبه، خلافًا للجمهور، ولكن التحقيق هو أنّ حجيتها متّفق عليها، كما قال الزركشي:"المشهور اختصاص المالكية بها، وليس كذلك، فإن العلماء في جميع المذاهب"