وفيما يخص مسألة المسالك، فقد بيَّن المؤلِّف أن المنهج الأصولي ينطلق في تحليل خطاب الشارع من أمرين اثنين؛ أولهما: أن قصد الشارع من وضع الشريعة هو الإفهام؛ ما يجعل الغاية من وضع علم أصول الفقه هي بيان مراد الشارع من خطابه، واستنباط الأحكام الشرعية من نصوصه، على نحوٍ لا يبقى فيه مجالٌ لخفاء؛ إجمالًا كان، أو إشكالًا، أو تشابهًا. وثانيهما: أن تحصيل الفهم، المقصود للشارع من وضع شريعته، مُتوقِّفٌ على معرفة أساليب البيان في العربية، وطرق الدلالة فيها على المعاني؛ ما يعني أن فهم النص عند الأصوليين، واستخلاص الأحكام الشرعية منه، مُحصَّلٌ من مبادئ عامة وأساسية تُشكِّل مجالًا مناسبًا لتفسير النص وشرحه، والكشف عن معناه، وتحديد قصد الشارع منه. وأهم هذه المبادئ ثلاثةٌ: البيان، والتفسير، والتأويل. ثم أفاض المؤلِّف في توضيح هذه الثلاثة التي سمّاها المبادئ، فعرَّفها، وبيَّن أنواعها وأقسامها وضوابطها، مستعينًا في ذلك بما ورد عن الأصوليين (متكلمين، وحنفية) في هذه المباحث.
أمّا مسألة القواعد المنهجية فتوسَّع فيها المؤلِّف في بيان قاعدتين، هما: السياق، والقصد والتعليل. وقد أفاض في شرح هاتين القاعدتين -وهما جديرتان بذلك- تعريفًا، وأهميةً، وآثارًا، ونماذجَ، ولا سيما أنهما لم يحظيا بالاهتمام الذي يستحقانه في التنظير الأصولي التقليدي، كما أشار إليه ابن دقيق العيد، رحمه الله، في موضوع السياق.
وممّا يمكن قوله في تقييم هذا الفصل: إن فكرة وضعه مقدِّمة للخوض في مسائل الدلالات هي فكرة صائبة تفضي إلى اتِّساق البحث الجزئي التفصيلي في الدلالات مع البحث الكلي الإجمالي في الأصول الكلية الحاكمة لها، فتنضبط الدلالات بهذه الأصول انضباط الجزئي بالكلي. يضاف إلى ذلك أنّ انتقاء المؤلف قرينتي السياق والعلة كان