في مبحث التمييز بين أحوال النبي - صلى الله عليه وسلم -، أمثال: القرافي، والدهلوي، وابن عاشور، وخَلُص -بعد ما قرَّر عُسْر التمييز أحيانًا بين أحوال ما صدر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى وضع ضوابط هادية للتمييز بين هذه الأحوال، وهو من المباحث المُتميِّزة في هذا الفصل. ثم تكلَّم عن قول الصحابي وعمل أهل المدينة وعلاقتهما بالسُّنة، فقرَّر أن قول الصحابي في ذاته ليس حجة؛ نظرًا إلى انعدام العصمة لصاحبه، وانحصار الحجية في النبوة وما خرج منها. ولكن بالنظر إلى علاقة الصحابي برسول الله - صلى الله عليه وسلم -، واختصاصه بالتلقي المباشر منه؛ مشافهةً، ومشاركةً، ومشاهدةً، فلا بُدَّ أن يكون لفهمه وقوله مزيةٌ عند النظر في آحاد الأدلة، أو فيما لا نصَّ فيه عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، من غير أن يكون ذلك حجة بنفسه. وفيما يخص عمل أهل المدينة، فقد فرَّق المؤلِّف -مثل أكثر الكاتبين في هذه المسألة- بين ما كان طريقه النقل مثل نقل ألفاظ الأذان فهذا حجة، وما طريقه الاجتهاد الذي ليس بحجة.
وفيما يخص حجية السُّنة وطرق إثباتها، فقد بيَّن المؤلِّف أدلة حجية السُّنة وطرق إثباتها تواترًا وآحادًا، وحجية خبر الواحد، وظنية دلالته، على ما هو المعهود في كتب الأصول.
أمّا العنوان الثالث الأخير (كيفية التعامل مع السُّنة) ، فقد أفاض فيه المؤلِّف في بيان مناهج الأئمة الثلاثة: أبي حنيفة، ومالك، والشافعي، في الأخذ بالسُّنة، مُبيِّنًا بإسهاب أن أبا حنيفة ومالكًا كانا يشترطان شروطًا أُخرى في السُّنة، فضلًا عن صحة السند، وأن الشافعي خالفهما في ذلك. وقرَّر المؤلف طريقة مختارة في التعامل مع السُّنة تقوم على أربع قواعد، هي: أولًا: الاعتناء بما عُرف من الأحاديث وعُمل به في الصّدر الأول، ثانيًا: ليس كلّ حديث صحيح الإسناد يُعمل به، وليس كلّ حديث ضعيف الإسناد يُرَدّ، ثالثًا: اجتناب التّحكيم الحرفي لقواعد التّحديث،