وفي الموازنة بين المحرَّمات والمكروهات، بيَّن المؤلِّف أن الضابط في الموازنة هو قدْر المفسدة المترتبة على كلِّ منهيٍّ عنه. وتظهر أهمية هذه الموازنة بين مراتب المحرَّمات والمكروهات عند النظر في فقه التنزيل، وتحقيق مناطات الأحكام الخاصة والعامة. وكثيرًا ما يُحتاج إلى هذه الموازنة في السياسة الشرعية التي هي مظنة التعارض والترجيح بين المصالح والمفاسد. وفيما يخص الموازنة بين فعل الواجبات وترك المحرَّمات، قرَّر المؤلِّف ما قاله ابن تيمية وغيره من أن جنس فعل المأمور به أعظم من جنس ترك المنهي عنه، وأن جنس ترك المأمور به أعظم من جنس فعل المنهي عنه، وأن مثوبة بني آدم على أداء الواجبات أعظم من مثوبتهم على ترك المحرَّمات.
وهذا الفصل في الموازنة بين الأحكام جديدٌ برمَّته، لا يُلفى في البحوث الأصولية التقليدية، وإنما يوجد في كتب القواعد والمقاصد. ولا شكَّ في أهميته الفقهية والتنزيلية للمجتهد، وقد أصبح بحثه يُشتهَر الآن باسم فقه الأولويات وفقه الموازنات. ولكن يظل التساؤل القائم: هل هذا الفقه ومباحثه ألصق بعلم أصول الفقه أو بالقواعد الفقهية؟ هل من المجدي في التجديد دمج مباحث القواعد الفقهية أو بعضها أو متعلقات من علم المقاصد في أصول الفقه أو الإبقاء على مباحث كلِّ علمٍ منها في موضعها؟
وأمّا الباب الثالث (طرق استنباط الأحكام) فجاء في فصلين، هما: الأصول الحاكمة لطرق الاستنباط، ودلالات الألفاظ.
وقد تضمَّن الفصل الأول مسألتين هما: المسالك الأساسية للفهم والإفهام، والقواعد المنهجية في الفهم والإفهام.