تبين لنا مما سبق أن الصفة هي ظلة المسجد في قبلته إلى بيت المقدس، وقد جاءت الروايات تصف لنا بناء النبي - صلى الله عليه وسلم - لمسجده أول مرة، فعن أنس -رضي الله عنه- أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما أخذ المربد من بني النجار، كان فيه نخل وبعض قبور المشركين وخرب، فأمر النبي - صلى الله عليه وسلم - بالنخيل فقطع، وبقبور المشركين فنبشت، وبالخرب فسويت، قال: فصفوا النخل قبلة له، وجعلوا عضادتيه حجارة [1] ، وبنوا باقيه من اللبن، ورفعوا جداره قامة وشيئًا، وفي صحيح البخاري [2] : «كان جدار المسجد ما كادت الشاة تجوزها» ، وكان عرض الحائط لبنة لبنة، طوله سبعون ذراعًا في ستين ذراعًا، وجعلوا له ثلاثة أبواب، ولم يكن له سقف، فلما شكا المسلمون الحر والمطر، قالوا: يا رسول الله، لو أمرت بالمسجد فظلل، قال: نعم، فأقيم له سوار من جذوع النخل شقة شقة، ثم طرحت عليها العوارض والخصف والإذخر، ورفعوا حيطانه سبعة أذرع أو خمسة، فأصابتهم الأمطار، فجعل المسجد يكف بهم، فقالوا: يا رسول الله، لو أمرت بالمسجد فطين، فقال لهم: «عريش كعريش موسى، ثمام [3] وخشيبات، فالأمر أعجل من ذلك» [4] ، وكانت قبلته إلى بيت المقدس حيث توجه المسلمون إليه ستة عشر شهرًا، أو سبعة عشر شهرًا [5] .
(1) أخرجه البخاري في صحيحه 3/ 1430، باب مقدم النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه المدينة، حديث (3717) ؛ ومسلم في صحيحه 1/ 373،كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب ابتناء مسجد النبي - صلى الله عليه وسلم -، حديث (524) .
(2) صحيح البخاري 1/ 188، كتاب الصلاة، قدر كم ينبغي أن تكون بين المصلي والسترة؟ حديث (475) .
(3) الثمام: نبت ضعيف قصير لا يطول. النهاية في غريب الأثر 1/ 223.
(4) رواه عبد الرزاق في مصنفه 3/ 154، حديث (5135) ؛ والدارمي في سننه 1/ 31، حديث (38) ؛ والبيهقي في دلائل البنوة 2/ 542.
(5) الطبقات الكبرى لابن سعد 1/ 240؛ تحقيق النصرة 64 - 71؛ تاريخ مكة المشرفة والمسجد الحرام والمدينة الشريفة 267؛ وفاء الوفا 1/ 335؛ عمارة المسجد النبوي 42 - 45.