المال والانقطاع إلى الزوايا يشبه حالة أهل الصفة، والدليل من العمل أن المقصود بالصفة لم يدم، ولم يثابر أهلها ولا غيرهم على البقاء فيها، ولا عمرت بعد النبي - صلى الله عليه وسلم -، ولو كان من قصد الشارع ثبوت تلك الحالة، لكانوا هم أحق بفهمها أولًا، ثم بإقامتها والمكث فيها عن كل شغل. اهـ [1]
كان النبي - صلى الله عليه وسلم - كثيرًا ما يجلس إلى أهل الصفة، يؤانسهم، ويعلمهم، ويوجههم، ويرغبهم، ويؤدبهم [2] ، وهذا شأنه - صلى الله عليه وسلم - مع جميع أصحابه، لكنهم بحكم قربهم من النبي - صلى الله عليه وسلم - وجوارهم له، كان كثيرًا ما يطَّلع على أحوالهم، فيرى منهم ما لا يراه من غيرهم، وقد رأى النبي - صلى الله عليه وسلم - طخفة بن قيس الغفاري قد نام على بطنه، فركضه - صلى الله عليه وسلم - برجله، وقال له: «ما لك ولهذه النومة، هذه نومة يكرهها الله، أو يبغضها الله» [3] ، ومر النبي - صلى الله عليه وسلم - بجرهد في المسجد، وقد انكشف فخذه، فقال: «إن الفخذ عورة» [4] .
وكان - صلى الله عليه وسلم - يواسيهم في فقرهم وشدة حالهم، ويطيب قلوبهم، ويبشرهم بالخير الوافر في الدنيا والآخرة، يقول واثلة بن الأسقع: كنت من فقراء المسلمين من أهل الصفة، فأتى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ذات يوم، قال: كيف أنتم بعدي إذا شبعتم من خبز البر والزيت، فأكلتم ألوان الطعام، ولبستم أنواع الثياب، فأنتم اليوم خير أم ذاك؟ قال: قلنا: ذاك، قال: بل أنتم اليوم خير
(1) الاعتصام 1/ 204.
(2) رجحان الكفة 116.
(3) رواه ابن ماجه في سننه 2/ 1227، كتاب الأدب، باب النهي عن الاضطجاع على الوجه، حديث (3723) ؛ والحاكم في المستدرك 4/ 301، حديث (7708) ، وابن حبان في صحيحه،12/ 359، حديث (5550) .
(4) ذكره البخاري في صحيحه تعليقًا 1/ 145، كتاب الصلاة، باب ما يذكر في الفخذ؛ ورواه الترمذي في سننه 5/ 100، كتاب الأدب، باب ما جاء في أن الفخذ عورة، حديث (2795) ؛ وأبو داود في سننه 4/ 40، باب النهي عن التعري، حديث (4014) .