الصفحة 39 من 94

المال والانقطاع إلى الزوايا يشبه حالة أهل الصفة، والدليل من العمل أن المقصود بالصفة لم يدم، ولم يثابر أهلها ولا غيرهم على البقاء فيها، ولا عمرت بعد النبي - صلى الله عليه وسلم -، ولو كان من قصد الشارع ثبوت تلك الحالة، لكانوا هم أحق بفهمها أولًا، ثم بإقامتها والمكث فيها عن كل شغل. اهـ [1]

اهتمام النبي - صلى الله عليه وسلم - بأهل الصفة وتربيته لهم:

كان النبي - صلى الله عليه وسلم - كثيرًا ما يجلس إلى أهل الصفة، يؤانسهم، ويعلمهم، ويوجههم، ويرغبهم، ويؤدبهم [2] ، وهذا شأنه - صلى الله عليه وسلم - مع جميع أصحابه، لكنهم بحكم قربهم من النبي - صلى الله عليه وسلم - وجوارهم له، كان كثيرًا ما يطَّلع على أحوالهم، فيرى منهم ما لا يراه من غيرهم، وقد رأى النبي - صلى الله عليه وسلم - طخفة بن قيس الغفاري قد نام على بطنه، فركضه - صلى الله عليه وسلم - برجله، وقال له: «ما لك ولهذه النومة، هذه نومة يكرهها الله، أو يبغضها الله» [3] ، ومر النبي - صلى الله عليه وسلم - بجرهد في المسجد، وقد انكشف فخذه، فقال: «إن الفخذ عورة» [4] .

وكان - صلى الله عليه وسلم - يواسيهم في فقرهم وشدة حالهم، ويطيب قلوبهم، ويبشرهم بالخير الوافر في الدنيا والآخرة، يقول واثلة بن الأسقع: كنت من فقراء المسلمين من أهل الصفة، فأتى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ذات يوم، قال: كيف أنتم بعدي إذا شبعتم من خبز البر والزيت، فأكلتم ألوان الطعام، ولبستم أنواع الثياب، فأنتم اليوم خير أم ذاك؟ قال: قلنا: ذاك، قال: بل أنتم اليوم خير

(1) الاعتصام 1/ 204.

(2) رجحان الكفة 116.

(3) رواه ابن ماجه في سننه 2/ 1227، كتاب الأدب، باب النهي عن الاضطجاع على الوجه، حديث (3723) ؛ والحاكم في المستدرك 4/ 301، حديث (7708) ، وابن حبان في صحيحه،12/ 359، حديث (5550) .

(4) ذكره البخاري في صحيحه تعليقًا 1/ 145، كتاب الصلاة، باب ما يذكر في الفخذ؛ ورواه الترمذي في سننه 5/ 100، كتاب الأدب، باب ما جاء في أن الفخذ عورة، حديث (2795) ؛ وأبو داود في سننه 4/ 40، باب النهي عن التعري، حديث (4014) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت