الصفحة 38 من 94

وغيرهم يكتسبون عند إمكان الاكتساب الذي لا يصدهم عما هو أوجب أو أحب إلى الله من الكسب، وأما إذا أحصروا في سبيل الله عن الكسب فكانوا يقدمون ما هو أقرب إلى الله ورسوله ... فإن الغالب كان عليهم الحاجة لا يقوم ما يقدرون عليه من الكسب بما يحتاجون إليه من الرزق .... ولم يكن في الصحابة لا أهل الصفة ولا غيرهم من يتخذ مسألة الناس ولا الإلحاف في المسألة بالكدية والشحاذة لا بالزنبيل ولا غيره صناعة وحرفة بحيث لا يبتغى الرزق إلا بذلك» [1] .

وقال ابن الجوزي في تلبيس إبليس: «هؤلاء القوم إنما قعدوا في المسجد ضرورة، وإنما أكلوا من الصدقة ضرورة، فلما فتح الله على المسلمين استغنوا عن تلك الحال وخرجوا» [2] .

ويذكر الشاطبي في الاعتصام أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنزل صفة المسجد من لم يجد وجهًا يكتسب به لقوت ولا لسكنى، وحض أصحابه على إعانتهم، والإحسان إليهم؛ لأنهم أضياف الإسلام، وحق على الضيف إكرامه والإنفاق عليه حتى يجد السعة والرزق، ثم قال: ومع ذلك كانوا بين طالب للقرآن والسنة كأبي هريرة، فإنه قصر نفسه على ذلك، وكان منهم من يتفرغ إلى ذكر الله وعبادته، وقراءة القرآن، فإذا غزا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - غزا معه، وإذا أقام أقام معه، حتى فتح الله على رسوله وعلى المؤمنين، فصاروا إلى ما صار الناس إليه غيرهم ممن كان ذا أهل ومال، وطلب للمعاش واتخاذ المسكن؛ لأن العذر الذي حبسهم في الصفة قد زال، فرجعوا إلى الأصل لما زال العارض، فالذي تحصل أن القعود في الصفة لم يكن مقصودًا لنفسه، ولا بناء الصفة للفقراء مقصودًا بحيث يقال: إن ذلك مندوب إليه لمن قدر عليه، ولا هي شرعية تطلب بحيث يقال: إن ترك الاكتساب والخروج عن

(1) مجموع الفتاوى 11/ 46.

(2) تلبيس إبليس 201.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت