وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - يرسل لهم بالصدقة كلما أتته، فعن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال لي رسول الله - صلى الله عليه وسلم: «الحق إلى أهل الصفة، فادعهم لي، قال: وأهل الصفة أضياف الإسلام، لا يأوون على أهل، ولا مال، ولا على أحد، إذا أتته صدقة بعث بها إليهم، ولم يتناول منها شيئًا، وإذا أتته هدية أرسل إليهم، وأصاب منها، وأشركهم فيها» [1] .
ومن صور الصدقة: تعليق القنو [2] في المسجد:
جاءت فكرة تعليق الأقناء في المسجد من محمد بن مسلمة الأنصاري، فإنه لما جدّ ماله جاء بعذق من رطب، فجعله في المسجد بين ساريتين، ثم اقترح على النبي - صلى الله عليه وسلم - هذا الأمر؛ لينتظم طعام أهل الصفة بصورة مستمرة، فاستحسن النبي - صلى الله عليه وسلم - ذلك، وأمرهم بأن يرسلوا من كل جداد عشرة أوسق من التمر بعذق، يعلق في المسجد للمساكين [3] ، وذهب المنافقون ليفعلوا مثل فعلهم رياء، فصاروا يأتون بأقناء الحشف، والرطب الرديء، فأنزل الله تعالى فيهم قوله: {وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ ... الآية} [4] .
فعن البراء -رضي الله عنه- في قوله تعالى: {وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ} قال: نزلت فينا معشر الأنصار، كنا أصحاب نخل، فكان الرجل يأتي من نخله على قدر كثرته وقلته، وكان الرجل يأتي بالقنو والقنوين، فيعلقه في المسجد، وكان أهل الصفة ليس لهم طعام، فكان أحدهم إذا جاع أتى القنو فضربه بعصاه، فيسقط من البسر والتمر، فيأكل، وكان ناس
(1) سبق تخريجه.
(2) القنو: العذق بما فيه من الرطب، جمعه: أقناء وقنوان، ومنه قوله تعالى: (ومن النخل من طلعها قنوان دانية) . لسان العرب 15/ 204.
(3) وفاء الوفاء 2/ 457.
(4) سورة البقرة: 267.