البعيد، كالالتزام بإشارات المرور فإنّه يُحكم بوجوبه شرعًا؛ لأنّه يؤدي إلى حفظ النّفوس والأموال، وهو مقصدٌ شرعي دلّت عليه كثيرٌ من النّصوص.
ويكاد يتّفق الأصوليون والفقهاء، ما خلا الظاهرية، على تعليل الأحكام بالمصالح، وعلى مشروعية القياس والاستصلاح حيث لا نصّ، وإن اختلفوا في شروط التعليل وشروط الأقيسة والمصالح المعتبرة.
قال الطّبري: «ما أمر الله بأمرٍ قطُّ إلا وهو أمرُ صلاحٍ في الدنيا والآخرة، ولا نهى الله عن أمرٍ قطُّ إلا وهو أمرُ فسادٍ في الدّنيا والدّين، والله أعلم بالذي يُصلح خَلقَه» [1] .
وقال القرطبي: «لا خلاف بين العقلاء أنّ شرائع الأنبياء قُصد بها مصالح الخلق الدّينية والدّنيوية» [2] .
وقال إلكيا: «الذي عَرَفناه من الشّرائع أنّها وُضعت على الاستصلاح، دلّت آيات الكتاب والسّنة وإجماع الأمّة على ملاءمة الشّرع للعادات الجِبليّة والسّياسات الفاضلة، وأنّها لا تنفكّ عن مصلحةٍ عاجلة وآجلة» [3] .
وقال ابن رحّال: «قال أصحابنا: الدّليل على أنّ الأحكام كلَّها شُرعت لمصالح العباد، إجماعُ الأمّة على ذلك: إمّا على جهة اللُّطف والفضل على أصلِنا، أو على جهة الوجوب على أصل المعتزلة» [4] .
وقال الآمدي: «أئِمة الفقه مُجمعةٌ على أنّ أحكام الله تعالى لا تخلو عن حكمةٍ ومقصود» [5] .
(1) الطبري: محمد بن جرير بن يزيد. تفسير الطبري (جامع البيان في تأويل القرآن) ، تحقيق: أحمد شاكر، بيروت: مؤسسة الرسالة، ط 1، 1420 هـ=2000 م، ج 3، ص 382.
(2) القرطبي: محمد بن أحمد بن أبي بكر بن فرح الأنصاري الخزرجي شمس الدين. الجامع لأحكام القرآن (تفسير القرطبي) ، تحقيق: أحمد البردوني وإبراهيم اطفيش، القاهرة: دار الكتب المصرية، ط 2، 1384 هـ=1994 م، ج 2، ص 64.
(3) الزركشي. البحر المحيط، مرجع سابق، ج 7، ص 161.
(4) المرجع السابق، ج 7، ص 158.
(5) الآمدي. الإحكام في أصول الأحكام. مرجع سابق، ج 3، ص 285.