ورغم اتّفاق الأصوليّين، وأهل العلم عمومًا، على هذا المبدأ من حيث الجملة إلا أنّهم يتفاوتون فيما بينهم فيما يُعدّ ثابتًا بالعقل، وما لا يعدو كونَه ظنّا أو حتّى وهمًا، فبعضهم يتوسّع في تحكيم العقل في مجال النّظريات، وبعضُهم يضيّق، وتبعًا لهذا يبالغ المتوسّعون في تأويل النّصوص بدعوى التوفيق بينها وبين دلائل العقول، وينكر المضيّقون ذلك. ولهذا فإنَّ ابن تيمية، وهو من المضيّقين، يشترط في الدّليل العقلي الذي يُؤوّل أو يُردُّ به النّص أن يكون صريحًا أو بيّنًا، لا ممّا يخفى ويشتبه، ويكونُ مَدعاةً للخلاف بين العقلاء، قال رحمه الله: «لا يُعلم حديثٌ واحدٌ يخالف العقل أو السّمع الصّحيح إلا وهو عند أهل العلم ضعيف، بل موضوع ... ولكنَّ عامَّة موارد التعارض هي من الأمور الخفيّة المشتبهة التي يحار فيها كثيرٌ من العقلاء، كمسائل أسماء الله وصفاته وأفعاله، وما بعد الموت من الثّواب والعقاب والجنّة والنّار والعرش والكرسي، وعامَّة ذلك من أنباء الغيب التي تقصُر عقولُ أكثر العقلاء عن تحقيق معرفتها بمجرّد رأيهم، ولهذا كان عامَّة الخائضين فيها بمجرّد رأيهم: إمّا متنازعين مختلفين، وإمّا حيارى مُتَهوِّكين» [1] ، و «النّصوص الثابتة في الكتاب والسنّة لا يعارضها معقولٌ بَيِّنٌ قطّ» [2] .
أي أنّه ما من واقعةٍ حدثت أو تحدث إلى يوم القيامة إلا والنّصّ متناولٌ لها بالحكم، سواءٌ بطريقٍ مباشرة أو غير مباشرة. فالنّصّ بلفظه ومعناه القريب والبعيد شاملٌ للوقائع كافٍ للحكم عليها، وهو صالحٌ لكلّ زمانٍ ومكانٍ.
قال الشافعي، رحمه الله تعالى: «فليست تنزل بأحدٍ من أهل دين الله نازلةٌ إلا وفي كتاب الله الدليل على سبيل الهدى فيها» [3] . وعنه أيضا: «إنّا نعلم قطعًا أنّه لا تخلو واقعةٌ عن حكم الله تعالى معزوٌّ إلى شريعة محمّد، صلى الله عليه وسلم» [4] .
(1) ابن تيمية. درء تعارض العقل والنقل، مرجع سابق، ج 1، ص 150.
(2) المرجع السابق، ج 1، ص 155.
(3) الشافعي: محمد بن إدريس. الرسالة، تحقيق: أحمد شاكر، مصر: مكتبة الحلبي، ط 1، 1358 هـ=1940 م، ص 20.
(4) عزاه إليه الجويني: إمام الحرمين عبد الملك بن عبد الله. البرهان في أصول الفقه، تحقيق: صلاح بن محمد بن عويضة، بيروت: دار الكتب العلمية، ط 1، 1418 هـ=1997 م، ج 2، ص 162، وليس هو في المطبوع من كتب الشافعي، ومن عادة إمام الحرمين عزو أقوالٍ للشافعي غير منصوصة له وإنما مخرّجة من معنى أقواله أو من الفروع التي حكم فيها وطريقته في الاجتهاد.