أي أنّه في سبيل فهم النص فهمًا صحيحًا دقيقًا ينبغي مراعاة تأثّر دلالته اللّفظية بالقرائن الحاليّة الّتي تحتفّ به، وهي الأحوال التي تحتوشه من: حال المتكلّم، وحال المخاطب، والظّرف الزّمانيّ والمكانيّ الذي قيل فيه، والسّبب الذي أثاره، والغرض الذي استهدفه، والأعراف الجارية في المجتمع الذي قيل فيه، وغير ذلك. وتأثّر النّصّ بهذه القرائن يعني إمكانية تأكيد دلالته اللغوية أو تفسيرها أو تأويلها وصرفه عن ظاهره بها. قال الشّاطبي: «إنّ علم المعاني والبيان الذي يُعرف به إعجاز نظم القرآن، فضلًا عن معرفة مقاصد كلام العرب، إنّما مداره على معرفة مقتضيات الأحوال: حال الخطاب من جهة نفس الخطاب، أو المخاطب، أو المخاطب، أو الجميع؛ إذ الكلام الواحد يختلف فهمه بحسب حالين، وبحسب مخاطَبين، وبحسب غير ذلك: كالاستفهام لفظه واحدٌ، ويدخله معانٍ أُخَر: من تقريرٍ وتوبيخٍ وغير ذلك، وكالأمر يدخله معنى الإباحة والتّهديد والتّعجيز وأشباهها، ولا يدلّ على معناها المراد إلا الأمور الخارجة، وعمدتُها مقتضيات الأحوال» [1] .
وهذا يعني أنّ النّص في المنهج الأصولي السّائد ليس مجرّد دلالات لغوية يُبحث عن معانيها في المعاجم وكتب النّحو واللّغة فحسب، بل هو ألفاظٌ حيّةٌ تنطبع على دلالتها بَصَماتُ حال المتكلّم بها وحال متلقّيها والبيئة التي قيلت فيها والسّبب الدّاعي لها.
وكما أبدع الأصوليّون في اعتبار السِّياق المقالي للنّص واعتبروا نصوص الشّارع كلَّها سياقًا واحدًا تؤثّر اجزاؤه بعضُها في بعض، كما أوضحناه في المبدأ السّابع، وهو"مبدأ انسجام النّص وتكامله"، فكذلك أبدعوا في اعتِبار السّياق الحالي للنّص، ودلّ على هذا كثيرٌ من مباحثهم الدّلالية، كبحثهم في أسباب النّزول والورود ومدى تأثيرها في عموم النّص وخصوصه، وبحثهم في مدى تأثير علّة النّص في دلالته، وفي تخصيص العموم وتأويل الحقائق بحال المتكلّم وحال
(1) الشاطبي. الموافقات، مرجع سابق، ج 3، ص 347.