فقال بعضُهم: «معظمُ الشريعة صَدَر عن الاجتهاد، والنّصوص لا تفي بالعُشر من مِعشار الشريعة» [1] .
وناقضَهم آخرون، فقالوا: «من المُحال المُمْتنع وجودُ نازلةٍ لا حكمَ لها في النّصوص» [2] ؛ وذلك لأنّ «النّصوص قد استوعبت كلَّ ما اختلف النّاس فيه، وكلَّ نازلةٍ تنزل إلى يوم القيامة باسْمِها» [3] .
وتوسّط فريقٌ ثالث فقالوا: «الصّواب الذي عليه جمهور أئمّة المسلمين أنّ النّصوص وافيةٌ بجمهور أحكام أفعال العباد. ومنهم من يقول: إنّها وافية بجميع ذلك، وإنّما أنكر ذلك من أنكره؛ لأّنه لم يفهم معاني النّصوص العامّة التي هي أقوال اللهِ ورسوله وشمولَها لأحكام أفعال العباد، وذلك أنّ الله بعث محمّدًا، صلى الله عليه وسلم، بجوامع الكلِم، فيتكلّم بالكلمة الجامعة العامّة التي هي قضيّةٌ كلّيّة وقاعدة عامّة تتناول أنواعًا كثيرة، وتلك الأنواع تتناول أعيانًا لا تُحصى، فبهذا الوجه تكون النّصوص محيطةً بأحكام أفعال العباد» [4] .
وعلى أيّة حال فإنّ الأصوليين، وفاءً بمبدأ الشمول، وسَّعوا من دلالة النّص اللفظية، بطريقين:
إحداهما: تعميم حكم النّص في الأشخاص والأزمنة والأمكنة.
والأخرى: إعمال مقاصد النّص.
وهما المبدآن اللّذان سنتناولهما فيما يلي:
أي أنّه ما من حكمٍ قرّره النّصّ في حقِّ شخصٍ أو أشخاصٍ زمنَ الرسالة إلا وهو ينسحب على جميع النّاس في ذلك الزمن، وعلى من بعدهم من النّاس إلى
(1) الجويني. البرهان في أصول الفقه، مرجع سابق، ج 2، ص 37. أي النصوص بألفاظها، لا بعللها ومعانيها المستنبطة، التي يقوم عليها الاجتهاد أصلا.
(2) ابن حزم. الإحكام في أصول الأحكام، مرجع سابق، ج 6، ص 33.
(3) المرجع السابق، ج 8، ص 17.
(4) ابن تيمية: أحمد بن عبد الحليم. مجموع الفتاوى، تحقيق: عبد الرحمن بن محمد بن قاسم، المدينة النبوية: مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف، 1416 هـ=1995 م، ج 19، ص 280.