يوم القيامة إلا إذا قام دليلٌ على تخصيصه بمن خُوطب به. فمثلا قوله، صلّى الله عليه وسلم، لعُمَر بن أبي سلمة: «سمِّ الله، وكُلْ بيمينك، وكُل ممّا يليك» [1] ، وإن كان بلفظه خطابًا لواحدٍ مخصوص إلا أنّه في دلالته خطابٌ لجميع المسلمين زمنَ الرسالة، ولجميع الأمّة إلى يوم القيامة.
قال ابن الصّبّاغ: «خطابه، صلّى الله عليه وسلّم، لواحدٍ خطابٌ للجماعة بالإجماع» [2] .
وقال الجصّاص: «كلّ حُكمٍ حَكَمَ اللهُ ورسوله به في شخصٍ أو على شخصٍ، من عبادةٍ أو غيرها، فذلك الحكم لازمٌ في سائر الأشخاص إلا إذا قام دليل التّخصيص فيه» [3] .
وقال ابن حزم: «الأمّة كلُّها مُجمعة على وجوب حكم النّص وتماديه إلى يوم القيامة، وكذلك حكمُه، عليه السّلام، على زانٍ أو سارقٍ هو حكمٌ منه على كلّ زانٍ أو سارقٍ إلى يوم القيامة، وهكذا كلُّ ما حَكَم به النَّص في عينٍ ما هو حكمٌ في نوع تلك العين أبدًا، ولو كان خلافُ ذلك - ونعوذ بالله من هذا الظنّ - لبطلت لوازم نبوَّتِهِ، صلى الله عليه وسلم، في الزمان الآتي بعدَه. وهذا كفرٌ من معتقدِه؛ فصحَّ أنَّ حكمَه، صلى الله عليه وسلم، في زمانه حكمٌ باقٍ في كلّ زمانٍ أبَد الأَبد» [4] . وقال في قوله تعالى: {أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُم} (النساء: 59) : «الأمّة مُجمعةٌ على أنّ هذا الخطاب مُتوجِّهٌ إلينا، وإلى كلّ من يُخلق ويرُكَّب روحُه في جسده إلى يوم القيامة من الجِنّة والنّاس، كتوجُّهه إلى من كان على عهد رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وكلِّ من أتى بعده، عليه السلام، وقبلَنا، ولا فرق» [5] .
وقال إمام الحرمين: «أجمع المُسلمون قاطبةً على أنّ ما سبق من الخطاب في عصر رسول الله، صلى الله عليه وسلم، متوجِّهٌ على أهل عصره كافّة، فَمَن بعدَهم مندرجون تحت
(1) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الأطعمة، باب التسمية على الطعام والأكل باليمين، رقم (5376) ، ج 7، ص 68. ومسلم في صحيحه، كتاب الأشربة، باب آداب الطعام والشراب وأحكامهما، رقم (2022) ج 3، ص 1599.
(2) نقله عنه، الزركشي. البحر المحيط، مرجع سابق، ج 4، ص 272.
(3) الجصّاص. أحكام القرآن، ج 4، ص 355.
(4) ابن حزم. الإحكام في أصول الأحكام، مرجع سابق، ج 5، ص 59.
(5) المرجع السابق، ج 1، ص 97.