الحمد لله، والصّلاة والسلام على رسول الله، وآله ومن والاه، وبعد:
فـ «أصول الفقه هو الّذي يقضي ولا يُقضى عليه» .
هذا ما قاله العلّامة المحقّق ابن دقيق العيد [1] ، وقولُه هذا يصوِّر المنزلة التي يحتلُّها علم أصول الفقه بين العلوم الدّينية الأخرى بصفته العلم الحاكم أو القاضي أو قُلِ المهيمنَ على تلك العلوم. والسّبب في ذلك واضحٌ و"بسيط"، وهو أنّ العلوم الدينيّة كلَّها (الكلام، الفقه، التفسير، الحديث، السّير ... الخ) تلتفّ حول النّصّ (=الكتاب والسّنّة) [2] وتستمدّ منه. وفي استمدادها هذا لا بدّ أن تخضع لـ «قواعد التّعامل مع النّصّ» ، تلك القواعد التي يصنعها ويهيِّئها ويمنحها الشّرعيّة علمُ أصول الفقه.
فعلم أصول الفقه، على هذا، يُعدّ الجسر الذي يربط بين النّصّ وكلّ العلوم التي تلتفّ حوله، بحيث لا تستطيع هذه العلوم أن تَرِدَ إلى النّصّ وتنهل منه إلا عَبْر ذلك الجسر. ومن هنا لا يُستغرب اشتراطُ أرباب العلوم الدينيّة على المشتغل فيها أن يكون عالمًا بأصول الفقه لا سيّما إذا كان مفسّرًا أو شارحًا للحديث أو فقيهًا.
و «قواعد التّعامل مع النّصّ» التي أنتجها الأصوليّون كثيرةٌ ومتنوّعة، بعضها متّفقٌ عليه، والبعض الآخر محلُّ جدالٍ وخلافٍ بين المدارس الأصوليّة المختلفة. وفي سبيل الوصول إلى نهضةٍ علميّةٍ على صعيد الفكر الإسلاميّ وأسلمة العلوم لا غنى عن استعمال هذه القواعد ومراعاتها - لا سيّما المتّفق عليه منها - لاستثمار النّصّ واستنطاقه، وإلا فَقَد الفكرُ المراد إنشاؤه، والعلومُ المراد أسلمتها، الشّرعيّة العِلميّة التي تمنحها هذه القواعد.
وممّا تتّصف به هذه القواعد في الطّرح الأصول-فقهي التّقليديّ أمران:
(1) الزّركشيّ: محمد بن بهادر. البحر المحيط، مصر: دار الكتبي، ط 1، 1414 هـ=1994 م، ج 1، ص 14.
(2) للاطّلاع على معاني مصطلح «النّص» يُنظر: صالح: أيمن."قراءة نقديّة في مُصطلح النّص في الفكر الأصولي"، فرجينيا: مجلة إسلامية المعرفة، المعهد العالمي للفكر الإسلامي، العدد 33 - 34.