وقال ابن تيمية: «قولهم: هذه الآية نزلت في كذا، لاسيّما إن كان المذكور شخصًا؛ كأسباب النّزول المذكورة في التفسير، كقولهم: إنّ آية الظِّهار نزلت في امرأة أوس بن الصّامت، وإنّ آية اللّعان نزلت في عُويمر العَجْلاني أو هلال بن أُميّة، وإنّ آية الكَلالة نزلت في جابر بن عبد الله ... ونظائر هذا كثير مِمّا يذكرون أنّه نزل في قومٍ من المشركين بمكّة، أو في قومٍ من أهل الكتاب اليهود والنّصارى، أو في قومٍ من المؤمنين. فالذين قالوا ذلك لم يقصِدوا أنّ حكم الآية مختصٌّ بأولئك الأعيان دون غيرهم، فإنّ هذا لا يقوله مسلمٌ ولا عاقلٌ على الإطلاق، والنّاس وإن تنازعوا في اللّفظ العامّ الوارد على سببٍ هل يختصُّ بسببه أم لا؟ فلم يقل أحدٌ من علماء المسلمين: إنّ عمومات الكتاب والسنّة تختصّ بالشّخص المعيّن، وإنما غايةُ ما يُقال: إنّها تختصّ بنوع ذلك الشّخص فيعمّ ما يشبهُه، ولا يكون العموم فيها بحسب اللفظ. والآيةُ التي لها سببٌ معيَّن، إن كانت أمرًا ونهيًا فهي متناولةٌ لذلك الشّخص ولغيره ممّن كان بمنزلته، وإن كانت خبرًا بمدحٍ أو ذمٍّ فهي متناولةٌ لذلك الشّخص وغيره مِمّن كان بمنزلته أيضًا» [1] .
أي أنّ النّص، كما يدلّ على أحكامٍ بلفظه وعبارته، فإنّه يدلّ على أحكامٍ أخرى بمعقوله ومقصوده. ويُتوصّل إلى تلك الأحكام عن طريق إعمال آليات التعليل والقياس والاستصلاح.
فالتعليل يهدف إلى الوصول إلى عِلَل الأحكام المنصوصة، وهي الحِكَم والأغراض والمصالح التي شُرعت الأحكام لتحصيلها.
والقياس يهدف إلى تَعدِية هذه الأحكام إلى وقائعَ أخرى غيرِ منصوصٍ على حكمها إذا كانت تشترك معها في عين علَّتها، أو في جنسها القريب، كاستعمال فرشاة الأسنان، فإنّه يُحكم عليها بمثل ما حُكِم على السٍّواك الذي وردت النّصوص باستحبابه، والعلَّة المشتركة تطهير الفم والأسنان بكلٍّ منهما.
والاستصلاح يُعدّي الأحكام إلى وقائعَ غيرِ منصوص على حكمها إذا اشتركت مع الوقائع المنصوص على حكمها في مقصدها الكلّي، وهو جنس علّتها
(1) ابن تيمية، تقي الدين أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام. مقدّمة في أصول التفسير، بيروت: دار مكتبة الحياة، 1980 م، ص 16.