أي أنّه لا يُقبل اجتهادٌ في النّص من غير متأهِّلٍ لذلك.
تخصِّصُ أكثر كتب الأصول بابًا في الاجتهاد والتقليد، تُذكر فيه الصّفات التي ينبغي توفّرها في الشّخص المؤهَّل لاستنباط الأحكام من أدلّة الشّرع. فالنّاس عند الأصوليين: «صِنفان: صنفٌ فَرْضُه التقليد، وهم العوامّ الذين لم يبلغوا رتبة الاجتهاد ... وصِنفٌ ثانٍ، وهم المجتهدون الذين كَمُلت لهم شروط الاجتهاد» [1] .
فمن لم يبلغ رتبة الاجتهاد لا يحلّ له النّظر في النّصوص بقصد استنباط الأحكام للحوادث، سواءٌ لنفسه أو لغيره. قال إمام الحرمين: «أجمعوا أنَّه لا يحلُّ لكلّ من شدا شيئًا من العلم أن يُفتي. وإنّما يحلّ له الفتوى، ويحلّ للغير قَبول قوله في الفتوى، إذا استجمع أوصافًا» [2] :
وهذه الأوصاف هي: «أن يكون عارفًا بالكتاب. والذي يجب عليه أن يَعلم منه ما تعلَّق بذكر الأحكام من الحلال والحرام، فيعرف مُفصّله ومُجمله، ومُحكمَه وناسخه ومنسوخه ... ويحفظ السُّنَن المرويّة عن النبي في ذلك من بيان الأحكام وناسخها ومنسوخها، ويعرف معاني الخطاب وموارد الكلام ومصادره، من الحقيقة والمجاز، والخاصّ والمفصّل والمطلق والمقيّد، والمنطوق والمفهوم، ويعرف من اللّسان ما يفهم به معاني الكلام، ويعرف أقاويل العلماء من الصّحابة والتابعين ومن بعدَهم من أئمّة المسلمين، وما اتّفقوا عليه مِمّا اختلفوا فيه، ويعرف وجه النُّطق والاجتهاد والقياس، ووضع الأدلّة في مواضعها والتّرجيح والتعليل» [3] .
فمن لم يتمتّع بهذه الأوصاف فينبغي عليه أن يعتمد على غيره ممّن استجمع شرائط الاجتهاد. قال الجصّاص: «إذا ابتُلي العامّي الذي ليس من أهل الاجتهاد بنازلة، فعليه مُساءلة أهل العلم عنها؛ وذلك لقول الله تعالى: فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا
(1) ابن رشد: محمد بن أحمد القرطبي (الحفيد) . الضروري في أصول الفقه أو مختصر المستصفى، تحقيق: جمال الدين العلوي، بيروت-الرباط: دار الغرب الإسلامي، ط 1، 1994 م، ص 144.
(2) الجويني. التلخيص، مرجع سابق، ج 3، ص 457.
(3) ابن رشد: محمد بن أحمد القرطبي (الجد) . البيان والتحصيل والشرح والتوجيه والتعليل لمسائل المستخرجة، تحقيق: محمد حجّي وآخرين، بيروت-الرباط: دار الغرب الإسلامي، ط 2، 1408 هـ=1988 م، ج 17، ص 12.