تَعْلَمُونَ (الأنبياء: 7) ، وقال تعالى: {فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ} (التوبة: 122) . فأَمَر من لا يعلم بقَبول قول أهل العلم فيما كان من أمر دينهم من النّوازل، وعلى ذلك نصّت الأمّة من لدن الصّدر الأول، ثمّ التّابعين، إلى يومنا هذا، إنّما يفزع العامّة إلى علمائِها في حوادث أمر دينها» [1] .
فإذا أبى غير المؤهّل السؤالَ والتقليد، وتكلَّف النظّر في النّصوص، كالمجتهدين، فقد قرّر الأصوليون: إنّه لا يشمَله حديث «إذا حَكَم الحاكم فاجتهد ثمّ أصاب فله أجران، وإذا حكم فاجتهد ثمّ أخطأ فله أجر» [2] ، بل هو آثمٌ غير معذور، أصاب في اجتهاده أو أخطأ.
قال الشافعي: «من تكلَّف ما جَهِل، وما لم تثبتِهْ معرفتُه: كانت موافقتُه للصّواب - إنْ وافقَه من حيثُ لا يعرفه - غيرَ محمودة، والله أعلم، وكان بخطئه غيرَ معذور إذا ما نطق فيما لا يحيط علمُه بالفرق بين الخطأ والصّواب فيه» [3] .
وقال الخطّابي: «إنّما يُؤجر المخطِئ على اجتهاده في طلب الحقّ؛ لأنّ اجتهاده عبادة ولا يُؤجر على الخطأ بل يُوضع عنه الإثم فقط. وهذا فيمن كان من المجتهدين جامعًا لآلة الاجتهاد، عارفًا بالأصول، وبوجوه القياس. فأمّا من لم يكن مَحلًا للاجتهاد فهو مُتكلِّف، ولا يُعذر بالخَطأ في الحكم، بل يُخاف عليه أعظمُ الوِزر» [4] .
وقال ابن رشد: «إذا اجتهد الحاكم فله أجر الاجتهاد وإن أخطأ باجتهاده ... وهذا إذا كان من أهل الاجتهاد، وأمّا إن لم يكن من أهل الاجتهاد، فهو آثمٌ، وإن أصاب باجتهاده؛ لتقحُّمِه، وجُرأته على الله في الحكم بغير علم» [5] .
(1) الجصاص. الفصول في الأصول، مرجع سابق، ج 4، ص 281.
(2) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة، باب أجر الحاكم إذا اجتهد فأصاب أو أخطأ، رقم (7352) ، ج 9، ص 108. ومسلم في صحيحه، كتاب الأقضية، باب بيان أجر الحاكم إذا اجتهد فأصاب أو أخطأ، رقم: (1716) ، ج 3، ص 1342.
(3) الشافعي. الرسالة، مرجع سابق، ج 1، ص 53.
(4) الخطابي: حمد بن محمد بن إبراهيم بن الخطاب البستي. معالم السنن، المطبعة العلمية، حلب، ط 1، 1351 هـ=1932 م، ج 4، ص 160.
(5) ابن رشد: محمد بن أحمد القرطبي (الجد) . المقدّمات الممهّدات، بيروت-الرباط: دار الغرب الإسلامي، ط 1، 1408 هـ/ 1988 م، ج 2، ص 262.