وقال ابن عبد البر: «جَلَّ الله عزَّ وجلَّ عن أن يُخاطِب إلا بما تفهمه العرب في معهود مخاطباتها مِمَّا يصحُّ معناه عند السّامعين» [1] .
وقال ابن تيميّة: «الكتاب والسنة وكلام السَّلف جاء باللسان العربي، ولا يجوز أن يرُاد بشيءٍ منه خلاف لسان العرب ... وإلا فيُمكن كلُّ مُبطلٍ أن يفسِّر أيَّ لفظ بأيِّ معنىً سَنَح له، وإن لم يكن له أصلٌ في اللغة» [2] .
أيّ أنَّ النَّص إن احتمل وجوهًا في لغة العرب واستعمالهم فإنّه ينبغي حملُه على معانيه الجمهورية المتبادرة إلى فهم العرب، والشّائعة في استعمالهم، لا على المعاني البعيدة المؤوّلة غير المتبادرة لهم حتى لو ثبت استعمال اللفظ فيها عندهم في أحوالٍ قليلة إلا إذا دلَّ على ذلك دليل.
قال الشافعي: «القرآن عربيٌ، كما وصفت، والأحكام فيه على ظاهرها وعمومها ليس لأحدٍ أن يُحيلَ منها ظاهرًا إلى باطن ولا عامًّا إلى خاصٍّ إلا بدلالةٍ من كتاب الله، فإن لم تكن فسنّةُ رسولِ الله تدلّ على أنّه خاصٌّ دون عامّ، أو باطنٌ دون ظاهر، أو إجماعٌ من عامّة العلماء الذين لا يجهلون كلُّهم كتابًا ولا سنّة. وهكذا السنّة. ولو جاز في الحديث أن يُحال شيءٌ منه عن ظاهره إلى معنىً باطنٍ يحتمله كان أكثرُ الحديث يحتمل عددًا من المعاني، ولا يكون لأحدٍ ذهب إلى معنىً منها حجّةٌ على أحدٍ ذهب إلى معنىً غيره، ولكنَّ الحقَّ فيها واحد؛ لأنّها على ظاهرها وعمومها إلا بدلالةٍ عن رسول الله، أو قولِ عامِّة أهل العلم، بأنّها على خاصّ دون عامّ، وباطنٍ دون ظاهر، إذا كانت إذا صُرفت إليه عن ظاهرها مُحتملةً للدُّخول في معناه» [3] .
(1) ابن عبد البر: يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر النمري. التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد، تحقيق: مصطفى بن أحمد العلوي ومحمد عبد الكبير البكري، المغرب: وزارة عموم الأوقاف والشؤون الإسلامية، 1387 هـ، ج 7، ص 131.
(2) ابن تيمية. مجموع الفتاوى، مرجع سابق، ج 6، ص 360.
(3) الشافعي: محمد بن إدريس. اختلاف الحديث، تحقيق: عامر أحمد حيدر، بيروت: مؤسسة الكتب الثقافية، ط 1، 1405 هـ=1986 م، ص 480.