ذلك» [1] ، وأكّد ذلك الشاطبي بقوله: «غالب ما صُنِّف في أصول الفقه من الفنون إنّما هو المطالب العربية» [2] .
ومما تَرتَّب على هذا المبدأ أنّ للنّصّ، عند الأصوليين وغيرهم من أئمة الفقه والحديث والتفسير، ذاتًا وكينونةً وحدودًا وأُطُرًا قطعيّة تفرضها اللغة لا يجوز لمتلقّيه ومفسِّره تجاوُزُها بحال. ولذلك اشتدَّ نكيرهم على التّفسيرات الباطنيّة للنّصّ، وهي التي تخرج بالنّصّ عن إطاره اللّغوي بالكلّيّة.
قال الفخر الرازي: «يجب على المكلَّف تنزيل ألفاظ القرآن على المعاني التي هي موضوعةٌ لها بحسب اللّغة العربيّة. فأمّا حملُها على معانٍ أُخَر، لا بهذا الطريق، فهذا باطلٌ قطعًا، وذلك مثلُ الوجوه التي يذكرها أهل الباطن، مثل أنّهم تارةً يحمِلون الحُروف على حِساب الجُمَّل [3] ، وتارةً يحملون كلَّ حرفٍ على شيءٍ آخر. وللصّوفيّة طُرُق ٌكثيرةٌ في الباب ويُسمُّونها علم المكاشفة. والذي يدلِّل على فساد تلك الوجوه بأسرها قولُه تعالى: {قُرْءانًا عَرَبِيًّا} ، وإنّما سمّاه عربيًا؛ لكونه دالًّا على هذه المعاني المخصوصة بوضع العرب وباصطلاحاتهم، وذلك يدلّ على أنّ دلالة هذه الألفاظ لم تحصل إلا على تلك المعاني المخصوصة، وأنّ ما سواه فهو باطل» [4] .
وقال عبد العزيز البخاري: «يُقبل كلُّ تأويل احتمَله ظاهر الكلام لغةً، ولا يردُّه الشرع، ولا يُقبل تأويلات الباطنية التي خرجت عن الوجوه التي يحتمِلها ظاهر اللّغة، وأكثرها مخالفةٌ للعقل والآيات المُحكمة؛ لأنّها تركٌ للقرآن لا تأويل» [5] .
(1) القرافي: شهاب الدين أحمد بن إدريس القرافي. الفروق أو أنوار البروق في أنواء الفروق، القاهرة: عالم الكتب، (د. ط) ، (د. ت) ، ج 1، ص 2.
(2) الشاطبي. الموافقات، مرجع سابق، ج 4، ص 117.
(3) أي الدلالات الرقمية للحروف فيجعلون مقابل كل حرف عددا. ومن التفسيرات الرقمية المعاصرة ما تنبأ به بعضهم من زوال دولة بني إسرائيل عام 1922 م، بناء على بعض الحسابات الرقمية في حروف القرآن.
(4) الرازي: فخر الدين محمد بن عمر بن الحسن بن الحسين التيمي. مفاتح الغيب أو التفسير الكبير، بيروت: دار إحياء التراث العربي، ط 3، 1420 هـ، ج 27، ص 539.
(5) البخاري: علاء الدين عبد العزيز بن أحمد. كشف الأسرار شرح أصول البزدوي، القاهرة: دار الكتاب الإسلامي، (د. ط) ، (د. ت) ، ج 1، ص 58.