الصفحة 19 من 41

قضيته. إذا لم نَقُلْ ذلك أدَّى ذلك إلى قصْر الشّرع على الذين انقرضوا، فلِدلالة الإجماع عدَّينا الخطاب من السّلف إلى الخَلف» [1] .

وقال الزّركشيّ: «ممّا عُرف بالضّرورة من دينه عليه السَّلام: أنّ كلَّ حُكمٍ تعلّق بأهل زمانه فهو شاملٌ لجميع الأمّة إلى يوم القيامة» [2] .

وبناءً على هذا المبدأ، تظهر مناقضة ومخالفة ما يدندن حوله كثيرٌ من العَلمانيين في قولهم بـ «تاريخيّة النّص الديني» - بمعنى ارتهانه وقصر دلالته على أسباب نزوله في الزّمان الذي نزل فيه [3] - لما أجمع عليه أهل الإسلام على مرّ العصور. قال الفخر الرازي: «الأمّة مجمعةٌ على أنّ آية اللِّعان والظِّهار والسَّرقة وغيرها إنّما نزلت في أقوامٍ معينين مع أنّ الأمّة عمّمَوا حكمَها، ولم يقل أحدٌ: إنّ ذلك التعميم خلاف الأصل» [4] .

(1) الجويني: إمام الحرمين عبد الملك بن عبد الله. التلخيص في أصول الفقه، تحقيق: عبد الله جولم النبالي وبشير أحمد العمري، بيروت: دار البشائر الإسلامية، (د. ت) ، ج 1، ص 428.

(2) الزركشي. البحر المحيط، مرجع سابق، ج 4، ص 251، وينظر: العلائي: صلاح الدين الكيكلدي. تلقيح الفهوم في تنقيح صيغ العموم، تحقيق ونشر عبد الله آل الشيخ، (د. م) : ط 1، 1403 ه‍، ص 339.

(3) «التاريخية» أو «التاريخانية» مصطلحٌ وافدٌ إلى الساحة العربية والإسلامية من الغرب. وقد سُجِّل أَوَّلُ ظهور لهذا المصطلح في اللغة الفرنسية في القرن التاسع عشر الميلادي وبالتحديد عام 1872 م. ورغم أن المعاني الفلسفية والأيديولوجية التي أُلْبِست لهذا المفهوم في العصر الحديث هي أكثر من تُحصى، كما يقول الجابري، إلا أن من أقرب ما عُرِّفت به التاريخانية هو أنها: «العقيدة التي تقول: إن كل شيء أو كل حقيقة تتطوَّر مع التاريخ، وهي تهتم أيضا بدراسة الأشياء والأحداث من خلال ارتباطها بالظروف التاريخية» . من خلال هذا التعريف نلاحظ أن التاريخية مذهب فكري يؤمن بأنه لا ثبات للحقائق بل هي في تغيُّر وتطوُّر دائمين. وهذا المذهب، على الصعيد المعرفي، موازٍ للنظرية الداروينية على الصعيد البيولوجي، التي تقول بتطور الكائنات الحية المستمر. ويُنظر: الطحّان: أحمد إدريس. العلمانيون والقرآن الكريم: تاريخية النص، الرياض: دار ابن حزم للنشر والتوزيع، ط 1، 2007 م، ص 296.

(4) الرازي. المحصول، مرجع سابق، ج 3، ص 125.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت