أحدهما: أنّها، في أكثرها، تتّسم بـ «الجزئيّة» بحيث تتعامل مع أنماطٍ معيّنةٍ من النّصوص، وتنطبق على فئة محدودةٍ منها، كالقواعد المتعلّقة بالأمر والنّهيّ، والعموم والخصوص، وسائر أنواع الألفاظ لفظًا لفظًا، والقواعد المتعلّقة بمباحث الأدلّة دليلًا دليلًا ... الخ.
والأمر الآخر: أنّها متناثرةٌ في جميع مباحث أصول الفقه بدءًا من مباحث الحُكم ومرورًا بمباحث الأدلّة وكيفية الاستدلال وانتهاءً بمباحث الاجتهاد والتّقليد.
ومن هنا فقد احتاجت هذه القواعد - الجزئية المتناثرة - إلى «استقراءٍ» ينظِمها على شكل مبادئ عامّةٍ عُليا، يمكن اعتبارها المعالم الرئيسة لمنهج الأصوليين في التّعامل مع النّصّ، مِمَّا يمكِّن من إلقاء نظرةٍ إجماليّةٍ عامّةٍ على الفلسفة الأصوليّة في تصوّرها لمنهجيّة تلقي النّصّ والوصول إلى مكامنه. وفي هذا السّياق جاءت هذه الدّراسة لتقوم بهذه المهمّة.
ولا يدّعي البّاحث لهذه الدّراسة «النّضج» فضلًا عن «الاحتراق» ، وإنّما هي محاولة متواضعة يزجيها بين يدي الباحثين راجيا لها النّماء والتّطوّر والتشبُّع بمرور الوقت وتقدّم الزّمان.
وقد راعيتُ في استقراء هذه المبادئ وانتقائها أمرين:
أحدهما: أن تنطبق على كمٍّ هائلٍ من نصوص الكتاب والسّنّة، ربّما جميع هذه النّصوص، أو نصوص الأحكام جميعها، أو نصوص الأخبار جميعها، وهكذا ...
والثّاني: أن تكون هذه المبادئ محلَّ اتّفاقٍ بين كلّ الأصوليّين أو بين السّواد الأعظم منهم.
والأصوليّون المقصودون في هذه الدراسة هم بالدرجة الأولى أصحاب الكتب الأصولية بمدارسها المختلفة الكلامية والفقهية والجامعة بينهما، وبالدرجة الثانية العلماء الذين سطّروا قواعد ومناهج للتعامل مع النّصّ، ولو لم يأتِ ذلك في سياق كتابات خاصّة بعلم أصول الفقه، كالشافعي في الأم، والطّبري وابن عبد البر وابن تيميّة وغيرهم.