كالكلمة الواحدة» [1] ، والقرآن والحديث «كلفظةٍ واحدةٍ، وخبرٍ واحدٍ، موصولٍ بعضه ببعضٍ، ومضافٍ بعضه إلى بعض، ومبنيٍ بعضه على بعض» [2] . و «مأخذُ الأدلّة عند الأئمّة الراسخين إنّما هو على أن تُؤخذ الشّريعة كالصُّورة الواحدة بحسب ما ثبت من كلِّياتها وجزئياتها المرتَّبة عليها، وعامّها المرتّب على خاصّها، ومطلقها المحمول على مقيَّدها، ومجملها المفسَّر بِبَيِّنِها ... وما مَثَلُها إلا مثل الإنسان الصّحيح السَّوي، فكما أنَّ الإنسان لا يكون إنسانًا حتى يُستنطق [3] ، فلا ينطق؛ لا باليد وحدها، ولا بالرِّجل وحدها، ولا بالرأس وحده، ولا باللِّسان وحدَه، بل بجملته التي سُمِّي بها إنسانا، كذلك الشّريعة لا يُطلب منها الحكم على حقيقة الاستنباط إلا بجملتها، لا من دليلٍ منها أيِّ دليلٍ كان، وإن ظهر لبادي الرأي نطقُ ذلك» [4] .
وعليه، فلا يجوز في المنهج الأصولي الاستدلالُ على حكمٍ أو قضية ما بالاقتصار على بعض النّصوص الواردة فيها دون بعضٍ، بل ينبغي اعتبار جميع النّصوص المتعلّقة بها اعتبارًا واحدًا. ومساحةٌ عريضةٌ من البحث الأصوليّ شغلها الوفاء بمتطلّبات هذه النّظرة التّكامليّة لنصوص الوحي. فمباحث التأويل والتّفسير والتّقييد والتّخصيص بالأدلّة المتّصلة والمنفصلة، ومباحث النّسخ، والتّرجيح، كلّها تصبُّ في خدمة الحفاظ على تكامل النّصوص، ويُستنتج منها أنّ نصوص الوحي لم تكن ـ في نظر الأصوليين ـ إلا سياقًا واحدًا.
نعم، بعض المدارس الأصولية، كالحنفيّة، تشترط في نصوص السنّة، حتى تتكامل مع القرآن الكريم، شروطًا أشدّ مما يشترطه الجمهور، لكنَّ هذا لا ينفي أنهم يُقرّون بتكامل الكتاب والسنة من حيث المبدأ، وإنما يتشدَّدون في اعتبار خبر الواحد إذا كان في ظاهر الكتاب ما يدفعه؛ لقيام الشّبهة، حينئذٍ، على ضعف الحديث وشذوذه، لا لأنّهم يرفضون مبدأ التكامل من حيث الأصل. ولذلك فهم
(1) الشيرازي: أبو إسحاق إبراهيم بن علي. اللّمع في أصول الفقه، بيروت: دار الكتب العلمية، ط 1، 1405 ه=1985 م، ص 44.
(2) ابن حزم. الإحكام في أصول الأحكام، ج 2، ص 35.
(3) يشير بذلك إلى تعريف الحكماء للإنسان بأنه: حيوان ناطق، فصفة النطق له كُلًا، لا أجزاءً مستقلٌّ بعضها عن بعض.
(4) الشاطبي: إبراهيم بن موسى بن محمد. الاعتصام، تحقيق: سليم بن عيد الهلالي، المملكة العربية السعودية: دار ابن عفان، ط 1، 1412 هـ=1992 م، ج 1، ص 311.