وقيل أيضًا إن المشهور في اصطلاح الأصوليين، هو أن الدليل هو ما يستفاد منه حكمٌ شرعيٌّ عمليٌّ مطلقًا، أي سواء أكان على سبيل القطع، أم على سبيل الظن [1] .
وأما الاستدلال فيطلق عرفًا على إقامة الدليل مطلقًا من نصٍ أو إجماعٍ أو غيرهما، فهو أخذ دليلٍ موصلٍ للحكم [2] ، وقيل: هو طلب الدلالة، والنظر فيها للوصول إلى العلم بالمدلول [3] ، فالاستدلال هو طلب الدليل، وقد يكون ذلك من السائل للمسؤول، وقد يكون من المسؤول في الأصول [4] ؛ فالسائل يطلب الدليل من المسؤول الذي هو المجتهد، وهذا نوعٌ من الاستدلال؛ وقد يكون الاستدلال أيضًا من المسؤول أي المجتهد، حينما يطلب الدليل من الأصول، أي من الكتاب والسنة، أو من المظان التي ترجع إليهما.
والاستدلال وظيفة المجتهدين لبيان الخطابات الصادرة عن الشارع، وليس في متناول كل الناس التوصل إلى معرفة ذلك، فساغ لهم تقليد العلماء [5] .
فالاستدلال غير الدليل، لأن الدليل هو المرشد إلى المطلوب، والاستدلال هو طلب الدليل [6] ، وهما شيئان مختلفان لا ينفك أحدهما عن الآخر، فلم يوجد الدليل إلا ليُستدل به، ولا يمكن للاستدلال أن يقوم من غير دليلٍ، فهذا هو الأصل؛ لكن"قد يستدل من لا يقع على الدليل، وقد يوجد الاستدلال ممن لا يجد ما يطلب" [7] .
والدليل من حيث هو إذا ثبتت صحته وجب التصديق به، والعمل عليه ما لم يُنسخ، أو يخصص بدليلٍ آخر، أو يَعرض له ما يُرجح عدم العمل به؛ ومن ثم فلا عيب في الدليل أصلًا، فإن كان ضعيفًا، فالمستدل هو الذي أقدم عليه وترك الصحيح؛ وإن كان صحيحًا، وعمل به المستدل في غير محله، فالعيب في المستدل، وفي العملية الاستدلالية التي أدت إلى سوء فهم الدليل، أو إلى العمل به في غير موضعه؛ لأن"الاستدلال هو محاولة الدليل المفضي إلى"
(1) مجموع الفتاوى، مرجع سابق، 9/ 156. وعلم أصول الفقه وخلاصة تاريخ التشريع، لعبد الوهاب خلاف، ص 24.
(2) الأصل الجامع لإيضاح الدرر المنظومة في سلك جمع الجوامع، لحسن السيناوني، (3/ 53)
(3) الفصول في الأصول، للجصاص، 4/ 9. زالواضح في أصول الفقه، لعلي بن عقيل، 1/ 453.
(4) الفقيه والمتفقه، مرجع سابق، 2/ 45. واللمع في أصول الفقه للشيرازي (ص: 5)
(5) مقاصد الشريعة الإسلامية، للطاهر بن عاشور، 2/ 234.
(6) اللمع في أصول الفقه، مرجع سابق، ص 5.
(7) الإحكام في أصول الأحكام لابن حزم، مرجع سابق، 5/ 107.