الصفحة 20 من 42

في باب العبادات: إذا رأى المجتهد رأيًا مخطئاَ، أو أصدر فتوى موهومةً، فينتج عن ذلك فساد العبادة من حيث هي؛ فإن كانت صلاةً فيجب إعادتها، وإن كانت زكاةً لم تؤد فيجب أداؤها، وإن كان صومًا أو حجًا وجب قضاؤه، ومن أمثلة ذلك:

المثال الأول: بوب ابن خزيمة في صحيحه"بذكر خبرٍ روي مختصرًا عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أوهم عالمًا ممن لم يميز بين الخبر المختصر، والخبر المتقصي، أن الوضوء لا يجب إلا من الحدث الذي له صوتٌ أو رائحةٌ" [1] .

وواضحٌ أنه صرح بوَهْم العالم في فهم النص بسبب اختصار الحديث الذي صار نصه:"لا وضوء إلا من صوتٍ أو ريحٍ"، والذي يوهم أن الوضوء لا يكون إلا من صوتٍ أو ريحٍ، والصواب خلافه، إذ إن الوضوء قد يكون لأسباب أخرى، في حين أن الخبر المتقصي والكامل مناسبته استفسار النبي - صلى الله عليه وسلم - حول الرجل يخيل إليه أنه قد خرجت منه ريحٌ؛ فعَنْ عَبَّادِ بْنِ تَمِيمٍ، عَنْ عَمِّهِ، أَنَّهُ شَكَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - الرَّجُلُ الَّذِي يُخَيَّلُ إِلَيْهِ أَنَّهُ يَجِدُ الشَّيْءَ فِي الصَّلاَةِ؟ فَقَالَ:"لاَ يَنْفَتِلْ - أَوْ لاَ يَنْصَرِفْ - حَتَّى يَسْمَعَ صَوْتًا أَوْ يَجِدَ رِيحًا" [2] .

المثال الثاني: إجزاء مسح الرجلين في الوضوء.

قال محمد الحسن الآمدي:"وجاء في لفظ مسلم: تعجل قومٌ عند العصر فتوضؤوا وهم عِجالٌ، فانتهينا إليهم وأعقابهم تلوح لم يمسها الماء، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله:"ويلٌ للأعقاب من النار، أسبغوا الوضوء"، فثبت أن التهديد كان للقوم العجال لا للماسحين" [3] .

فالنهي قائمٌ على ترك غسل الأعضاء، بدليل أن وعيد الويل متعلق بالأعقاب، فما دَخْل الاستعجال هنا؟ فهو لا مفهوم له، فمن ترك الأعقاب مُتَوعّدٌ، سواء استعجل أم تريث، ولو كان الوعيد متعلقًا بالاستعجال لقال:"ويلٌ للمستعجلين من النار"، أو لفظًا يدل على هذا.

فالفهم المخطئ للحديث نتج عنه جواز مسح الرجلين في الوضوء بحسب ما رأى الكاتب، في حين أن الصواب هو عدم إجزائه، وأن المجزئ هو الغسل.

المثال الثالث: تشريف قبيلة عَنَزَة بالصلاة إليها [4] .

(1) صحيح ابن خزيمة،1/ 59.

(2) أخرجه البخاري في صحيحه، مرجع سابق، 1/ 39.

(3) المسح في وضوء الرسول صلى الله عليه وآله دراسات مقارنة بين المذاهب الاسلامية، لمحمد الحسن الآمدي، ص 66.

(4) ولم أقصد بهذا المثال ولا بغيره المجتهدين بالأخص، وإنما ركزت عليهم من باب التغليب، بحكم أنهم المعنيون بفهم النصوص، لكن البحث يتطرق إلى الوهم في الفهم الواقع من المجتهدين ومن غيرهم، كما حصل لهذا الراوي على جلالة قدره.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت