الصفحة 28 من 42

المطلب الرابع: أفكارٌ عمليةٌ للتقليل من الوهم في النصوص الشرعية.

بقدر ما يكون مع الفقيه من معرفة النصوص، بقدر ما تتسع دائرة الاستنباط عنده، وبقدر ما يُختزل هامش وقوعه في الخطأ في استثماره للنصوص. ولاكتساب ذلك أقترح التكوين العملي للمجتهدين، وتصفية المؤلفات من الأخطاء السابقة، مع تخصيص جهاتٍ للتصدي للأخطاء المحتملة، بحيث يتنبه الفقهاء لما سبق من الأخطاء، ويستفيدون منها، ثم يتم التصدي لها، والتقليل من وقوع المزيد منها.

إن سوء الفهم داءٌ يصيب الأحكام، ولكل داءٍ دواءٌ، والوقاية خير من العلاج، فعلينا الوقاية من الأوهام، كما علينا معالجتها إذا وقعت. وهذا عملٌ جبارٌ سيقلل هامش الأوهام، وينقص من الخلافات.

وتعتري الاجتهادات بعضُ الأوهام التي لا تنقص من قيمتها، والأصلح إذن هو تنقيتها من تلك الأخطاء والتنبيه عليها، حتى يستفاد منها على أحسن وجه، وهذه هي عملية التصفية التي تكمل الفائدة، بحيث ينضاف خير التخلص من الخطأ، إلى خير الاستفادة من الاجتهاد أصالةً؛ مما يقصر الطريق على الباحث، ويختصر عليه الوقت، بأن يطلع على الاجتهادات مصححة الأخطاء، ويستفيد من التصحيحات، وينتفع بأخذ المعلومة كما يجب أن تكون، عوض أن يقع على المنتجات الاجتهادية على ما هي عليه من أخطاءٍ، وربما تلصق بذهنه ولا تفارقه، أو حتى إن اكتشفها، وأصلحها، ربما يكون فَوَّت عليه ذلك الاستفادةَ من معلوماتٍ أخرى، وضيع عليه الوقت.

فيجب العمل على نَخْلِ التراث العلمي وتحريره من الأخطاء، وليس معنى هذا أن علماءنا كانوا مكتوفي الأيدي، حتى جئتهم في القرن الخامس عشر باكتشافٍ جديدٍ، وإنما ما فتئوا يشيرون في مؤلفاتهم إلى كل ما اكتشفوه من أخطاء سابقيهم ومشايخهم؛ وأما ما أرمي إليه فهو اقتراح منهجٍ، وطريقة لتصحيح الأخطاء، بطباعة الكتب نفسها، وقد ذيلت بالتصحيحات، علما أن هذا التصحيح لا يجب أن يخل بهيبة الكتاب، إنما يكون بالهامش.

وقد يقول لي قائلٌ: إن ما يبدو لزيدٍ خطأً، قد لا يكون كذلك عند عمر، فأقول له: لن يتكلف بالتصحيح زيد وعمر، وإنما أهل الفن؛ لجانٌ وهيئاتٌ مختصةٌ من كبار العلماء على غرار المجامع الفقهية، ولذلك أقترح إنشاء هيئةٍ عالمية لهذا الغرض، تُكلِّف فروعًا إقليميةً، وتوزع المهام لخدمة التراث العلمي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت