هو تحويل الكلمة من الهيئة المتعارفة إلى غيرها [1] ، ويكون التصحيف في اللفظ، ويقابله تصحيف المعنى؛ كما يكون في البصر، ومقابله تصحيف السمع؛ ويكون أيضًا في الإسناد، والمتن [2] . وأهمية هذا النوع كبيرةٌ تمكن معرفة المراد من الكلمات المصحفة قبل تصحيفها؛ لأن تصحيف ألفاظ المتون يفسد المعنى، ويترتب عليه فهمٌ مغلوطٌ؛ فيجب تنقية الأحاديث النبوية مما شابها في بعض الألفاظ، سواء كان في متونها، أو في رجال أسانيدها [3] ؛ تفاديًا لما يسببه التصحيف من تحريفٍ للرسالة النبوية؛ عندما يقصد النبي - صلى الله عليه وسلم - فهمًا، ويؤدي التصحيف إلى وهم المجتهد باعتماد فهمٍ آخر، وبثه في الناس؛"وهذا بابٌ عظيم الفساد؛ لانعكاس المعنى إلى نقيض المراد به؛ لأن الخط العربي شديد الاشتباه، وربما لم يكن بين المعنيين المتضادين غير الحركة أو النقطة" [4] .
فينبغي لقارئ الحديث أن يتفكر فيما يقرأه حتى يسلم من تصحيفه، ومتى لم يكن حافظًا لكتاب الله تعالى لم يؤمن عليه التصحيف في القرآن أيضًا [5] ، وهذا ليس قدحًا في العلماء؛ لأن هذه الأوهام لا يسلم منها بشرٌ، قال ابن الصلاح: وروينا عن أبي عبد الله أحمد بن حنبل رضي الله عنه أنه قال:"ومن يعرى من الخطأ والتصحيف؟" [6] ، وقال العسكري:"فقد عُير به جماعةٌ من العلماء، وفضح به كثيرٌ من الأدباء ... وبدأت بذكر جملةٍ من أخبار المصحفين وبعض ما وهم فيه العلماء، غير قاصدٍ للطعن على أحدٍ منهم، ولا الوضع منه، وما يسلم أحد من زلةٍ، ولا خطأ إلا من عصم الله" [7] .
وأما ما وقع لبعض المحدثين من ذلك، فمنه ما يكاد اللبيب يضحك منه [8] ، ومن أمثلة التصحيف وتسببه في الوهم في الفهم [9] ، ما رواه ابن لهيعة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - احتجم في
(1) فتح المغيث، مرجع سابق، (4/ 57)
(2) تدريب الراوي، مرجع سابق، (2/ 648)
(3) للمزيد: أنظر تحرير علوم الحديث، لعبد الله الجديع، 2/ 1010. وأثر علل الحديث في اختلاف الفقهاء، لماهر الفحل، ص 317.
(4) الإنصاف في التنبيه على الأسباب التي أوجبت الاختلاف بين المسلمين، لمحمد البطليوسي، ص 174.
(5) الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع، للخطيب البغدادي، 1/ 297.
(6) مقدمة ابن الصلاح، مرجع سابق، ص 279.
(7) تصحيفات المحدثين، للحسن العسكري، 1/ 5.
(8) الباعث الحثيث إلى اختصار علوم الحديث، لابن كثير، ص: 171 - 172.
(9) راجع هذه الأمثلة وغيرها في: مقدمة ابن الصلاح، مرجع سابق، ص: 280 - 283. وفتح المغيث بشرح ألفية الحديث، مرجع سابق، (3/ 158 - 159) و (4/ 58 - 61) .