الصفحة 26 من 42

واحتجوا بظاهر القرآن: {وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ} [1] ، وبقوله تعالى: {وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا} [2] ، واحتجوا بحديث ابن البيلماني: أن النبي صلى الله عليه وسلم أقاد مسلمًا بكافرٍ، وهو حديثٌ منقطعٌ لا يصح [3] ، ولذلك قال أبو عبيد: وبمثل هذا السند لا تسفك دماء المسلمين [4] .

المقصود هنا أن الجمهور على أن المسلم لا يُقتل بالكافر، وخالف أصحاب الرأي استنادًا إلى فهمٍ موهومٍ لهاتين الآيتين، وإلى حديثٍ لا يصح، ونتيجة ذلك هي قتل المسلم إذا قتل كافرًا، وكان سيكون معصوم الدم لولا الوهم في فهم الآيتين.

فهذا كشفٌ عن احتمال وهم الفقهاء في قضايا الجنايات، وما يترتب عن ذلك من فواتٍ للأنفس ونحوها.

في باب الفرائض: مجرد وهمٍ يسيرٍ في الفرائض قد يكون سببًا في حرمان وارثٍ، أو توريث من ليس بوارثٍ، أو نقص نصيب وارثٍ لمصلحة آخر؛ ومن أمثلة ذلك:

عن هُزَيْلَ بْنَ شُرَحْبِيلَ، قَالَ: سُئِلَ أَبُو مُوسَى عَنْ بِنْتٍ وَابْنَةِ ابْنٍ وَأُخْتٍ، فَقَالَ: لِلْبِنْتِ النِّصْفُ، وَلِلْأُخْتِ النِّصْفُ، وَأْتِ ابْنَ مَسْعُودٍ، فَسَيُتَابِعُنِي، فَسُئِلَ ابْنُ مَسْعُودٍ، وَأُخْبِرَ بِقَوْلِ أَبِي مُوسَى فَقَالَ: لَقَدْ ضَلَلْتُ إِذًا وَمَا أَنَا مِنَ المُهْتَدِينَ، أَقْضِي فِيهَا بِمَا قَضَى النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم:"لِلاِبْنَةِ النِّصْفُ، وَلِابْنَةِ ابْنٍ السُّدُسُ تَكْمِلَةَ الثُّلُثَيْنِ، وَمَا بَقِيَ فَلِلْأُخْتِ"، فَأَتَيْنَا أَبَا مُوسَى فَأَخْبَرْنَاهُ بِقَوْلِ ابْنِ مَسْعُودٍ، فَقَالَ: لاَ تَسْأَلُونِي مَا دَامَ هَذَا الحَبْرُ فِيكُمْ [5] .

فهذا أبو موسى الأشعري رضي الله عنه، وهو من هو في العلم، يهِم في حل هذه المسألة الفرضية بناءً على نصوصٍ قرآنيةٍ، بل ويظن لثقته في الحكم أن ابن مسعودٍ سيوافقه، لكن الحَبْر خالفه، بل وعبر بالضلال إن تابعه في خطئه، لأنه سيتسبب في حرمان ابنة الإبن من الميراث.

ومن ذلك أيضًا قول مسلم: وَمن الأخبار الَّتِي رويت على الْغَلَط والتصحيف خبر: كُنَّا نورثه على عهد رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم -، يَعْنِي الْجد، فهَذَا خبرٌ صحف فِيهِ قبيصَة، وإنما كَانَ الحَدِيث بِهَذَا الإسناد عَن عِيَاض، قَالَ: كُنَّا نوديه على عهد رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم -، يَعْنِي فِي الطَّعَام، وَغَيره فِي

(1) سورة المائدة، جزء من الآية: 45.

(2) سورة الإسراء، جزء من الآية: 33.

(3) اختلاف الفقهاء، للمروزي، ص: 431 - 432.

(4) فتح الباري لابن حجر، مرجع سابق، 12/ 262.

(5) أخرجه البخاري في صحيحه، مرجع سابق، 8/ 151.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت