الصفحة 18 من 42

كما حمل جماعةٌ من الصحابة في أول الأمر"الخيط الأبيض والخيط الأسود"على الحبل، وكما حمل آخرون قوله:"فامسحوا بوجوهكم وأيديكم"على اليد إلى الإبط" [1] ."

والفهم المخطئ لهذه النصوص نتج عن كونها مشكلةً، فاستشكال لفظ"أنَّى"، أوهم جواز الوطء في الدبر، واستشكال الخيط الأبيض من الخيط الأسود، أوهم إمكانية الأكل إلى ما بعد تحقق معناهما، وكذلك تَوَهُّم مسح الأيدي إلى الإبط في التيمم، نشأ عن استشكال لفظ اليد في قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [2] .

الفرع الرابع: النقص في شروط الاجتهاد.

الناس أصنافٌ، فهناك من ليس عنده آلية الاجتهاد البتة، وهناك من يتوفر عليها؛ لكن فاته شرطٌ من شروطها، وهناك من اكتملت فيه الشروط؛ لكنه قَصُر عن الاجتهاد في مسألةٍ معينةٍ. فالذي لا تتوفر فيه شروط المجتهد، ويتسور بستان الاجتهاد، فإنه يعتور فهومَه العبث والقصور؛ وأما مرادنا في هذا العنصر، فهو الذي اكتملت فيه شروط الاجتهاد، واعتراه نقصٌ عارضٌ لبشريته، نجم عنه تسرب الوهم إلى تأويله للنصوص؛ مثلما قال حسن السيناوني عن المجتهد:"وكذا يلزمه أن يعرف بأن هذا ناسخٌ وهذا منسوخٌ؛ ليقدم الأول على الثاني، فإنه إذا لم يكن خبيرًا بهما قد يعكس، والجهالة في المحكم بما ذكر تُعد نقصًا في المجتهد" [3] .

أقصد أن المجتهد معرضٌ في حالاتٍ محدودةٍ، لنقصٍ في أحد الشروط التي تتوفر فيه أصالةً، فيتسرب الوهم إليه من هذا المدخل؛ بل قد تتوفر فيه الشروط، لكنه يتوانى في تحقيق القضية، فَيَهِم في الحكم، كما قال أمير بادشاه:"فإذا لم يثبت المطلوب عند المأمور بالاجتهاد، علم أنه أي عدم ثبوته عنده، لعدم تحقق الشروط المعتبرة في النظر، وليس عدم تحققها لكمال غموضها، وعجز المكلف عن الوصول إليها، بل بالتقصير، وعدم الالتفات إلى ما يرشده إلى المطلوب" [4] .

(1) رفع الملام عن الأئمة الأعلام، مرجع سابق، ص 28.

(2) سورة المائدة، الآية:6.

(3) الأصل الجامع لإيضاح الدرر المنظومة في سلك جمع الجوامع، مرجع سابق، 3/ 84.

(4) تيسير التحرير، لأمير بادشاه، 4/ 200.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت