الصفحة 17 من 42

يوقف على معناه، والمراد منه، إلا بضرب تأويل قرينةٍ خارجيةٍ يمكن التوصل إليها عن طريق البحث [1] .

ويرجع الخفاء في المشكل إلى أن اللفظ موضوعٌ لغةً لأكثر من معنى، وقد يكون في النصوص حين يشكل التوفيق والجمع فيما بينها، وأما كل واحدٍ منها على حدةٍ فيكون واضحًا.

وحكم المشكل الاعتقاد بأنه حقٌّ، ثم الإِقبال على الطلب، والتأمل فيه، أي التكلف، والاجتهاد في الفكر، إلى أن يتبَين المراد ويتميز المعنى عن إشكاله [2] ؛ وهي مهمة المجتهد مستعينًا بالقرائن، أو بأدلةٍ أخرى من نصوص الكتاب والسنة، أو بأصولٍ شرعيةٍ ومقاصد عامةٍ؛ قال الطاهر ابن عاشور:"ومن هنا يقصّر بعض العلماء، ويتوحّل في خضخاضٍ من الأغلاط، حين يقتصر في استنباط أحكام الشريعة على اعتصار الألفاظ، ويوجّه نظره إلى اللفظ مكتفيًا ومقتنعًا به. فلا يزال يقلّبه ويحلّله ويأمل أن يستخرج لبّه، وهو في كل ذلك مهملٌ ما قدّمناه من ضرورة الاستعانة بما يحفّ بالكلام من حافات القرائن، والاصطلاحات، والسياق" [3] .

وهناك أمثلةٌ لتسبيب المشكل، في الوهم في فهم النص [4] ، منها قوله تعالى: {فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ} [5] ، والمشكل هنا هو لفظ"أنى"؛ فإنه مشتركٌ بين"أين"و"كيف"؛ فإذا وهمنا باعتبار الأول وهو"أين"المعبر عن المكان، فيحتمل أنه يدل على جواز إتيان المرأة في دبرها، فظهر الثاني بقرينة الحرث، وتحريم القربان في الأذى العارض، وهو الحيض؛ ودلالته على المنع من ذلك دلالةٌ خفيةٌ تتبين بالنظر إلى فائدة الحرث وهو الإنتاج، ومعلومٌ أن الوطء في الدبر لا ينتج الولد، فيكون غير داخلٍ في مقصود الشارع بالآية.

وقال ابن تيمية عن عدم المعرفة بدلالة الحديث:"وتارةً لكون اللفظ مشتركًا، أو مجملًا، أو مترددًا بين حقيقةٍ ومجازٍ؛ فيحمله على الأقرب عنده، وإن كان المراد هو الآخر،"

(1) أصول الفقه الذي لا يسع الفقيه جهله، مرجع سابق، ص 404. فصول البدائع في أصول الشرائع، مرجع سابق، 1/ 99. وتقويم الأدلة في أصول الفقه، لعبد الله الدبوسي، ص 195. وعلم أصول الفقه، لعبد الوهاب خلاف، ص 171. وتيسير علم أصول الفقه، مرجع سابق، (ص: 303) تلخيص الأصول، لحافظ ثناء الله الزاهدي، ص 22.

(2) أصول الفقه الذي لا يسع الفقيه جهله، مرجع سابق، ص 404. وتلخيص الأصول، مرجع سابق، ص 22. وشرح التلويح على التوضيح، لمسعود التفتازاني، 1/ 242 - 244. والتقرير والتحبير علي تحرير الكمال بن الهمام، لابن أمير حاج، 1/ 162.

(3) مقاصد الشريعة الإسلامية، مرجع سابق، 2/ 257.

(4) التقرير والتحبير علي تحرير الكمال بن الهمام، مرجع سابق، 1/ 159. وتيسير علم أصول الفقه، مرجع سابق، ص: 303 - 306. وأصول الفقه الذي لا يسع الفقيه جهله، مرجع سابق، ص 404.

(5) سورة البقرة، جزء من الآية:223.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت