وأسباب الوهم كثيرةٌ سأذكر بعضها على سبيل المثال لا الحصر [1] ، وتحرير ذلك من خلال الفروع التالية:
الفرع الثاني: التصحيف.
الفرع الثالث: النص المشكل.
الفرع الرابع: النقص في شروط الاجتهاد.
الفرع الخامس: الأخطاء الأصولية.
لا بد لاستنباط التفسير الصحيح للنص الشرعي من إدراكٍ سليمٍ لدلالات الألفاظ على المعاني المرادة من الكلام [2] ، لكن هناك ألفاظٌ غريبةٌ وردت في النصوص وأشكلت حتى على كبار الصحابة قبل بيانها.
والغريب عبارةٌ عما وقع في المتون من الألفاظ الغامضة البعيدة من الفهم لقلة استعمالها، فهو ما يخفى معناه بحيث يبعد فهمه، ولا يظهر إلا بالتنقيب عنه في كتب اللغة؛ وهو فنٌّ مهمٌّ لتوقف التلفظ ببعض الألفاظ عليه، فضلًا عن فهمها؛ ويقبح جهله عند أهل العلم، والخوض فيه صعبٌ، ولذلك كان السلف يتثبتون فيه أشد التثبت، والخائض فيه حقيقٌ بالتحري جديرٌ بالتَوَقِّي [3] .
وأقوى ما يعتمد عليه في تفسير غريب الحديث أن يظفر به مفسرًا في بعض روايات الحديث، نحو ما روي في حديث ابن صياد أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال له:"قد خبأت"لك"خبيئًا فما هو؟"قال: الدخ.
فهذا خفي معناه، وفسره قومٌ بما لا يصح، وفي معرفة علوم الحديث للحاكم أنه الدخ بمعنى الزخ الذي هو الجماع، وهذا تخليطٌ فاحشٌ يغيظ العالم والمؤمن.
وإنما معنى الحديث أن النبي - صلى الله عليه وسلم - خبأ له الدخان، والدخ هو الدخان في لغةٍ، إذ في بعض روايات الحديث ما قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"إني قد خبأت لك خبيئًا"، وخبأ له يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ
(1) ولم أخرج الأحاديث المذكورة في الأمثلة تفاديًا للتطويل ولأن الغاية هاهنا هي التمثيل عن سوء فهم الأحاديث بغض النظر عن حكمها، بالأخص أن الذين أدرجوها في الأمثلة هم من جهابذة الفن.
(2) تفسير النصوص في الفقه الإسلامي: دراسة مقارنة لمناهج العلماء في استنباط الأحكام من نصوص الكتاب والسنة، لمحمد أديب صالح، 1/ 463.
(3) أنظر: مقدمة ابن الصلاح، ص 272. وفتح المغيث بشرح ألفية الحديث، للسخاوي، 4/ 24 - 25. تدريب الراوي، للسيوطي، 2/ 637.