زعم مانعو الزَّكاة أنها تدفع فقط للنبي - صلى الله عليه وسلم -، فإذا مات فلا زكاة، بناءً على سوء فهمهم لقوَله تعالى: {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ} [1] ، ولذلك قاتلهم الصِّدِّيقُ رضي الله عنه على منعها [2] .
المثال السادس: جواز الوقوف بعرفة لمن فاته، إلى ما بعد طلوع الفجر.
ذكر مسلمٌ بن الحجاج أن رجلًا سأل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عمن أدركه الفجر ولم يقف بعرفات، فقال له إن وقفت عليها قبل أن تطلع الشمس فقد أدركت.
فهذا وهمٌ في هذه الرواية يترتب عليه جواز الوقوف بعرفة إلى قبيل طلوع الشمس، وهو مخالفٌ للأخبار عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وعن الصحابة، والتابعين، بأن من جاء قبل طلوع الفجر ليلة جمع فقد تم حجه؛ فقد تواطأت الأخبار على أن إدراك الحج هو أن يطأ المرء عرفات إلى قرب الصبح، ولا اختلاف بين أهل العلم في ذلك، وأما رواية إدراك الحج فيها إلى بعد الصبح قبل طلوع الشمس، فروايةٌ ساقطةٌ، وحديثٌ مُطرحٌ، إذ لو كان محفوظًا، وقولًا مقولًا، يمثل سائر الموجبات، لم يذهب عن جميعهم [3] .
في باب البيوع وما شاكلها: ينتج عن الوهم في اجتهادات البيوع، تضرر البائع، أو المشتري، أو هما معًا، أو المجتمع، أو غير ذلك، لأن المجتهد قد يجعل الحق مثلًا في جهة البائع، والواقع أنه في جهة المشتري، أو العكس؛ ومن أمثلة ذلك إنكار خيار الشرط، حين خالف ابن حزم جماهير الفقهاء وقال:"شروط المسلمين ليست إلا الشروط التي نص الله تعالى على إباحتها ورسوله - صلى الله عليه وسلم -، لا شروطًا لم يبحها الله تعالى، ولا رسوله عليه السلام؛ وقد قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"كل شرطٍ ليس في كتاب الله تعالى فهو باطلٌ" [4] ، فقد فهم ابن حزم من الحديث، تحريم أي شرطٍ في العقود لا يوجد نصه في القرآن الكريم، والمقصود هو تحريم الشروط التي لا توافق شرع الله سبحانه، لا الشروط التي لا توجد في كتابه جل وعلا؛ فهناك شروطٌ لا توجد في كتاب الله، لكنها على وفاقه، ولا تخالفه، فيجوز العمل بها، قال ابن عبد"
(1) سورة التوبة، جزء من الآية:103.
(2) بدعة إعادة فهم النص، لمحمد المنجد، ص 35 - 38.
(3) التمييز، لمسلم، ص: 200 - 201. ذكر رواية فاسدة بلا عاضد لها في شيء من الروايات عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - واتفق العلماء على القول بخلافها.
(4) المحلى بالآثار، لابن حزم، 9/ 44.